حكايات صفية الشاذلي حكايات شروق خالد
ابني ضربني 30 مرة قدام مراته.. وعشان كدة تاني يوم الصبح، وهو قاعد في مكتبه، بعت البيت اللي كان فاكره بتاعه.
الجزء الأول
قعدت أعد كل قلم.
واحدة.
اتنين.
تلاتة.
لحد ما إيد ابني نزلت على وشي للمرة التلاتين، كانت شفايفي مشقوقة، وبوقي مليان طعم الدم والحديد، وأي ذرة أمل كنت لسه متمسكة بيها كأم طارت وراحت في الهواء.
كان فاكر إنه بيعرفني مقامي.
ومراته، ميرفت، كانت قاعدة جنبنا، بتتفرج بابتسامة هادية وقاسية بتاعة الناس اللي بتستمتع وهي شايفه حد تانبيته بيتهان.
ابني كان مفكر إن شبابه، وغضبه، وفيلا في زايد أو التجمع هيعملوا منه ملك. واللي مكنش فاهمه، إنه وهو قاعد يلعب دور الباشا، أنا كنت خلاص خدت القرار إني أرجع كل حاجة مكانها.
اسمي صفية الشاذلي. عندي تمان وستين سنة. قضيت أربعين سنة من عمري في قطاع المقاولات، ببني أبراج ومشاريع في مصر كلها. دخلت صفقات صعبة، وعاصرت أزمات اقتصادية، ودفنت صحاب، وشفت ناس كتير بتتلخبط بين الفلوس والأصول.
دي حكاية إزاي بعت بيت ابني وهو قاعد على مكتبه مطمن وفاكر إن حياته في السامع.
كان يوم ثلاثاء بارد في شهر فبراير لما روحت عيد ميلاده. ركنت عربيتي القديمة على بعد شارعين، عشان الجراج كان مليان عربيات فارهة وغالية، من النوعية بتاعة ناس تهمها المنظرة أكتر من الشغل الحقيقي. وفي إيدي كنت شايلة هدية صغيرة ملفوفة في ورقة كرافت.
ده كان عيد ميلاد طارق التلاتين.
الفيلا كانت مبهرة من الشارع. وده طبيعي، ما أنا اللي دافع ثمنها.
من خمس سنين، بعد ما قفلت صفقة من أكبر صفقات حياتي، اشتريت العقار ده كاش وخلصت تمنه. وسمحت لطارق وميرفت يعيشوا فيه وقلتلهُم إنه ملكهم. واللي ما قلتوش لهم أبداً، هو الحقيقة الأهم.
أساميهم مكنتش مكتوبة في العقد نهائي.
البيت كان مسجل باسم شركة استثمار عقاري أنا المالك الوحيد ليها.
بالنسبة لهم، كانت هدية. وبالنسبة لي، كان اختبار. وهما للأسف سقطوا فيه بامتياز.
العلامات كانت واضحة من زمان. طارق بطل يعاملني كأمه وبقى يعاملني كأني ضيف ثقيل أو همّ على قلبه. وميرفت بقت مصرّة إني أتصل بيهم قبل ما أزورهم، رغم إن البيت قانوناً بتاعي. كانوا بيتكسفوا من عربيتي، ومن لبسي، ومن إيدي الخشنة، ومن سني. وفي العزومات كانوا بيقدموني وكأننا ناس بتوع زمن طافت موضتهم.
الحركة دي كانت دايماً بتخليني أبتسم في سري. كنت فاهمة دنياهم أحسن بكتير مما متخيلين. أنا اللي كنت شاركة في وضع أساساتها.
وفي الليلة دي، كل حاجة اتفجرت بسبب سبب تافه.. بس ماكنش تافه بجد.
اديت لطارق ميدالية أثرية قديمة رممتها بعناية، نفس الطراز اللي كانت أمه الله يرحمها بتحبه. هو بصلها بطرف عينه، ورماها على جنب وقال قدام الناس كلها إنه جاب آخره من نزول العزايم بتاعتي وتوقعي للشكر في بيت ملوش علاقة بيّا أصلاً.
فساعتها فكرته بهدوء إنه ما ينشاش مين اللي حط الأساسات تحت رجليه.
الكلمة دي كانت كفاية.
قام وقف على حيله، وزقني بقوة لحد ما ضلعي خبط في حرف الترابيزة. وبعدها هبط عليا ضرب.
وكنت بعدّ.
مش لأني مكنتش أقدر أدافع عن نفسي، بس لأني كنت انتهيت وخلاص. مع كل ضربة، كان فيه حاجة جوة قلبي بتموت.. الاحترام، الأمل، الأعذار القديمة.
لما خلص ضرب، كان بيتنفس بصعوبة زي واحد منتصر. وميرفت لسه باصة لي بنفس النظرة إن أنا الغلطانة.
مسحت الدم من على بوقي، بصيت لابني، وفهمت حاجة الآباء بيعرفوها متأخر أوي. ساعات إنت مش بتربي ابن سوي وجدع، ساعات إنت بس بتصرف على بني آدم ناكر للجميل.
ما صرختش. ما هدلتش. ما طلبتش البوليس. لميت هديتي، ولفيت وظهرت وخرجت.
تاني يوم الصبح، الساعة 8 و6 دقايق، كلمت المحامي بتاعي. الساعة 8 و23 دقيقة، كلمت مدير الشركة المالكة. والساعة 9 و10 دقايق الصبح، كان البيت نزل للبيع الفوري لمشتري جاهز كان مستني عقار بالمواصفات دي من زمان.
الساعة 11 و49 دقيقة، بينما ابني كان قاعد حاطط رجل على رجل في مكتبه، كنت أنا بوقع العقود النهائية.
وفي اللحظة دي، تليفون رن.. اسم طارق منور على الشاشة، وأنا كنت عارفة أصلاً هو بيتصل ليه.
فيه حد دلوقتي بيخبط على باب الفيلا دي.. وماكنش جاي يزورهم للزيارة.
#حكايات_شروق_خالدقعدت ساكتة ثواني وبصيت لتليفون وهو بيترعش في إيدي من كتر الرعشة اللي في جسمي، بس صباعي اتحرك لوحده وفتحت الخط.
ـ إيه يا أمي؟ البيه اللي بره ده بيقول إيه؟ بيقول مين اللي جاي يبيع الفيلا؟! انتي اتجننتي ولا إيه؟!
صوته كان عالي، مليان غضب وعصبية، ومتخيل إنه لسه بيكلم الست اللي بتقلق وتخاف تزعله.
رديت بصوت هادي وثابت، صوت وحدة مفيش حاجة تانية تخسرها:
ـ منور يا طارق.. البيه اللي بره ده صاحب البيت الجديد.
ـ بيت مين؟! البيت بتاعنا! بتاع مراتي وعيالي! انتي بتهزري يا ولية إنتي؟!
ـ مفيش هزار يا ابني. زي ما فضلت خمس سنين مفكر إنك باني ملكك، كان لازم تفوق وتعرف إنك كنت ضيف قاعد في ملك غيرك. البيت ده مسجل باسم شركة استثمار عقاري، وأنا المالك الوحيد ليها. وخلصنا، اتبعت، والمشتري خلاص واقف بيستلم المفتاح.
سكت.. سكتّ فجأة كأن حد ضربه على دماغه بآفص. الصوت اللي طلع منه بعد ثواني مكنش صريخ، كان صوت رعشة رعب حقيقية.
ـ انتي.. انتي عملتي إيه؟! ميرفت هتموت! عيالي هيروحوا فين؟! انتي مش ممكن تكوني أم بجد!
ضحكت.. ضحكة قصيرة من قلب مكسور ومحروق.
ـ أم؟ فكرتني إني أم امبارح وأنت نازل فيا ضرب لحد ما دمي سال على أرض بيتي؟ ولا يوم ما كنت واقف تتباهى قدام مراتك بفلوس مش بتاعتك؟ فِيق يا طارق.. الشقة القديمة اللي في إمبابة بتاعت أبوك الله يرحمه، فاضية ومفتوحة، وتقدر تلم هدومك إنت ومراتك وتنزلوها.. آه، صح، أصل ميرفت هتعرف تعيش في الشقة الشعبية دي كويس زي ما كانت بتستعر من عربيتي القديمة.
قفلت السكة في وشه قبل ما يلحق يكمل صراخه.
رميت التليفون على الكنبة جنبي، وطلعت الشرفة بتاعة بيتي القديم الهادي، أخدت نفس طويل لأول مرة من سنين. المشتري كان راجل عقارات كبير وفاهم، وخلص كل حاجة قانونية وصح الصح. والفلوس اتحولت في حسابي، لا تريفر ولا مراته ليهم مليم واحد فيها.
تاني يوم، كان الخبر وصل لكل العيلة وكل صحابه. الناس اللي كانت بتطبل له وبتحضر عزايمه بقوا يتجنبوه. وميرفت.. ميرفت لمّت هدومها في شنطتين وسابته، رجعت لأهلها بعد ما اكتشفت إنه لا ملك ولا بطيخ، وإنها بقت على الحديدة.
طارق جالي البيت، وقف قدام الباب يترجاني، يبكي ويقول إنه ندم، وإنه مكنش يقصد. بس اللي ينكسر عمره ما بيرجع زي الأول، واللي يمد إيده على أمه في يوم، بيمحى من قلبه للأبد.
بصيت له من شباك الدور التاني، شفت قد إيه هو صغير وكسيح من غير الوهم اللي كان عايش فيه.
قلت له بصوت ميت:
ـ خلاص يا طارق.. البنا خلص، واللي هدمته بإيدك مفيش قوة في الأرض تعرف تبنيه تاني. اتقي الله في اللي باقي من عمرك، واعتبرني ماتت.
نزلت الستارة، ورجعت قعدت مكاني.. وأنا مرتاحة لأول مرة من زمان أوي.
بس الحكاية مكنتش هتنتهي لحد هنا.
الناس زي طارق وميرفت مبيتعلموش بالسهل، وفكروا إنهم ممكن يلعبوها بالذراع والقانون. بعد أسبوعين من البيع، لقيت محامي بعت لي إنذار رسمي، وطارق رفع قضية بيطعن في صحة البيع، وادعى إن العقار اتكتب أصله تحت تأثير الضغط، وإن العقد اللي الشركة ملكت بيه البيت من سنين كان فيه ثغرة.
طبعاً، متخيلين إن الست العجوزة اللي ضربوها هتقعد تعيط وتستسلم.
يوم جلسة المحكمة، دخلت القاعة بخطوات ثابتة، ومعايا ملف كامل فيه كل مستند، وكل قرش دخل في تأسيس الشركة، وكل تحويل بنكي خرج من حسابي الشخصي من أربعين سنة. المحامي بتاعه كان شاب صغير مفكر نفسه ذكي، وفضل يتكلم عن صلة القرابة والعطف الأسري وحقوق الابن المكتسبة.
ولما جه دوري عشان أتكلم، القاضي سألني لو عندي أي أقوال إضافية.
قمت وقفت، وبصيت لطارق اللي كان قاعد في آخر القاعة، ووشه أصفر وعينيه مراغة من الخوف.
قلت بصوت عالي وواضح في القاعة كلها:
ـ يا فندم، أنا ست قضيت عمري كلو في أسواق المقاولات والصناعة، وعمر ما حد ضحك عليّا في صفقة ولا في قرش. البيت ده مش مجرد جدران، ده عرق سنين وشقاي. واللي يمد إيده على أمه قدام مراته عشان أهانته وهو مدي إيده في جيبها، لا يستاهل بيت، ولا يستاهل اسم. العقار ملك لشركتي، والبيع تم بكامل قواي العقلية، ومفيش ورقة واحدة تثبت إن ليه حق فيه.
قدمت للمحكمة تسجيل فيديو قصير جبته من كاميرات المراقبة الخاصة بالشارع قصاد الفيلا.. فيديو صامت بيوضح لحظة طرده لي، ووقوف مراته وهي بتضحك على إهانتي.
القاضي لما شاف الفيديو، ملامحه اتغيرت تماماً. وغضب المحكمة كان أشد من غضبي.
بعد مداولة مقعدتش دقايق، صدر الحكم: رفض دعوى المدعي (طارق)، وإلزامه بالمصاريف القضائية، وتثبيت ملكية المشتري الجديد للعقار بشكل نهائي.
طلع طارق من المحكمة مكسور، ميرفت سبته نهائي وسافرت لأهلها في الإسكندرية، وشركاته الوهمية اللي كان بيتباهى بيها سقطت واحدة ورا التانية لأنه مكنش بيعرف يدير مليم لوحده.
أما أنا.. فرجعت لبيتي الهادي القديم. حطيت فلوس الفيلا في حساب استثماري تاني خالص، وخصصت جزء كبير منه لجمعيات خيرية للأمهات المعيلات والستات اللي زي حالاتي، اللي ربوا وتعبوا وطلعوا من الدنيا بالجفاء.
في يوم، وأنا قاعدة أشرب شاي الصبح قدام الباب، لقيت جرس الباب بيضرب. فتحت، لقيت شاب فقير وبسيط من شباب المنطقة واقف، باصص لي باحترام وقال لي: “يا حاجّة صفية، ربنا يبارك في عمرك، أنا سمعت باللي عملتيه، وأنا مهندس مدني لسه متخرج وعاوز أشتغل تحت إيدك أتعلم الصح”.
ابتسمت، حسيت إن شمس جديدة بتطلع.
قلت له:
ـ أهلاً بيك يا ابني.. تعالي، أنا لسه عندي شغل كتير قوي عايز يتأسس من جديد.
#حكايات_شروق_خالدوفي يوم من الأيام، وأنا واقفة في الورشة بتابع الشغل مع البشمهندس الشاب اللي بقى زي ابني وأكتر، جه طارق.
كان شكله غريب أوي. شعره كش، وهدومه متبهدلة، وملامحه مكسورة كأن الزمن داوس عليه سنين طويلة. وقف قدام باب الورشة، بيبص لي بعيون مليانة دمع وكسرة نفس.
قرب مني بخطوات بطيئة، ووطى عشان يبوس إيدي زي زمان، بس أنا سحبت إيدي بهدوء ووقفت مكاني، بصيت له نظرة خالية من أي غضب.. نظرة واحد بيبص لغريب خلاص مبقاش يعنيه في حاجة.
قال بصوت مخنوق ودموعه نازلة:
ـ سامحيني يا أمي.. أنا ضعت. ميرفت سابتني، وناس كتير بعدت عني، وفلوس الشغل طارت، ومبقاش ليا حد في الدنيا غيرك. حسيت بقيمتك لما اتخرب بيتي بجد. أرجوكِ سامحيني واديني فرصة أصلح اللي هدمته.
بصيت قدامي للعمال وهما شغالين، للحديد اللي بيتبنى والأساسات القوية اللي بتقوم على الصح مش على الوهم، وبعدين رجعت بصيت له وقلت بصوت هادي وثابت:
ـ السماح ده بينك وبين رب العباد يا طارق.. أما أنا، فالكتاب اللي بيني وبينك اتقفل للأبد. البيت اللي بنيته بإيدي هدمته بغرورك، والصفقة اللي خسرتها مش هترجع. اللي زي حالاتك مش بيتعلم إلا لما الدنيا تدوس عليه كويس. أنت مش ابني اللي ربيته على الجدعنة والأصول، أنت واحد جه بالصدفة في حياتي ومش هكرر غلطتي تاني.
سكت، ومكنش قادر ينطق بحرف واحد. الكلمات كانت أثقل عليه من أي ضربة.
شاور للباشمهندس الشاب، وطلبت منه يكمل متابعة الشغل. دخلت مكتبي الصغير، شربت بق ميه، وفتحت كشكول الحسابات القديم بتاعي.
الحياة مش بتهدّنا عشان تكسرنا.. الحياة بتهد القديم عشان تعلمنا إزاي نبني من تاني، بس المرة دي.. على أرض صلبة ومبنية بدموع وصبر السنين، من غير كدب، ومن غير ناكري الجميل.
وقعدت أسطر بقلمي الكاشف بداية صفحة جديدة خالص.
في الدنيا دي، الإنسان ممكن يخسر كل فلوسه، ويخسر بيوته، وحتى اللي كان فاكرهم سند وعزوة.. بس طول ما جواه الروح وقادر يشتغل ويبني، عمره ما هيتكسر نهائي.
الورشة كانت بتكبر، والشغل مع البشمهندس الشاب بقى ماشي زي الساعة، وكل مشروع جديد كنا بنبنيه كان بيرجع لي جزء من روحي اللي تهشمت يوم العيد ميلاد الأسود ده. مكنش هدفنا بس المكسب المادي، كان الهدف نثبت إن اللي يتأسس على شقا وتعب وإخلاص، مستحيل يتهد مهما علت رياح الغدر.
وطارق؟ طارق بقى حكاية من الماضي البعيد، عبرة لكل شاب مفكر إن عزم أمه وضعفها معناها ضعفها قدامه، وإن الجبروت والمنظرة بيدوموا.
قفلت كشكول الحسابات بهدوء، وضبطت نظارتي، وقمت وقفت قدام الشباك أتابع الشمس وهي بتغرب وتلون السما بلون الذهب والصبر. أخدت نفس عميق، وحمدت ربنا على كل محنة علمتني درس، وكل وجع خلاني أبقى أقوى وأصلب.
الحياة لسه فيها كتير يتبنى، وأنا صفية الشاذلي.. لسه في جعبتي كتير ياما حاكيه، ولسه قادرة أهز جبال.
#حكايات_شروق_خالد

