صفقة العفريت ج1 حكايات شروق خالد

كان عندي أربعتاشر سنة، الجوع حافيني، وشايل كل اللي حيلتي في كيس ورقي مكسر، لما مشيت لحد أعتى وأشرس سواق موتوسيكلات في المنطقة، وعرضت عليه الحاجة الوحيدة اللي حاسس إن ليها قيمة: اللي جواه دماغي. “هات الأكل اللي مش بتاكله، وأنا هخليك تبأى أشد”، ده اللي قلته لرئيس رابطة السواقين المقعد على كرسي بعجل، وماكنتش متخيل أبداً إنه هيزق الكرسي ويقرب مني، يبرقلي، ويقولي إثبتلي.
الحر في شارع البحر كان يكتف، الطالع من الإسفلت يسلق، وقميصي المقطع المبلول لزق في ضهري. الكوتشي بتاعي كان مطلع لسانه ودايب خالص، وكل خطوة ناحية مقر “عتاولة الموتوسيكلات” كانت أتقل من اللي قبلها.
وفجأة لمحت المعلم إبراهيم “العفريت”.
كنت شفت صورته قبل كده في الجرايد القديمة في دار الكتب. زمان، إبراهيم ده كان عامل إمبراطورية لقطع غيار الموتوسيكلات وبقى رئيس أكبر رابطة للسواقين في الجيزة، بس حادثة مروعة على طريق مصر إسكندرية الصحراوي من خمس سنين حطته على كرسي متحرك.
كان إبراهيم قاعد بره القهوة بتاعة الرابطة، لابس نظارة شمس سودا وفيست جلد متبهدل. حواليه كام موتوسيكل بيبرقوا، وجنبه اثنين أشباح من بتوع الرابطة مخلينك تراجع نفسك ألف مرة قبل ما تخطي خطوة واحدة.
بس جنب إبراهيم كان فيه صينية أكل كاملة محدش قرب منها.
معدتي الفاضية لقطتها في ثانية.
كان نفسي أطلبها.
بس ما قدرتش أمد إيدي ولا أشحت.
عشان كده عرضت عليه صفقة.
قلتله وأنا بحاول أثبت صوتي: “يا معلم، أظن إني أقدر أساعدك تبأى أشد.”
واحد من الشبحين اللي واقفيين كركر من الضحك.
إبراهيم ما ضحكش.
عينيه مشيت على هدومي الممزقة، والكيس الورقي المبهدل، والكوتشي الدايب. وقال: “وانت عاوز إيه بالظبط؟”
بصيت للصينية.
“الأكل اللي مش هتأكله.”
لسكوت نزل على المكان كام ثانية.
بعدها إبراهيم ضحك، مش بقلة أدب، بس بذهول واحد ياما سمع كلام ووعود. “يا ابني، أنا دفعت للدكاترة والاستشاريين فلوس إنت ما شفتهاش في حياتك كلها.”
“عارف.”
“وفاكر إنك هتفهم عنهم؟”
“لأ يا معلم.”
الرد ده فاجئه.
شرحت له إن بقالي شهور بقعد أذاكر تمارين العلاج الطبيعي، وتقنيات الإطالة، وحركات التنسيق، وتقوية العضلات. كل اللي أعرفه جيبته من الكتب الطبية والمراجع في دار الكتب العامة.
كنت عارف شكلي يضحك قد إيه.
إبراهيم العفريت يقدر يجيب أكبر دكاترة في مصر، وأنا واقف بره المقر بحذاء مدمر وبقوله كلمتين قريتهم بين الرفوف يمكن ينفعوه.
قلتله: “أنا مش هصلح الحادثة، ولا بوعدك إنك هتمشي، بس يمكن أقدر أساعدك تبقى أشد.”
في اللحظة دي، معدتي خانتني وعملت صوت عصافير بطني الصارخة.
واحد من اللي واقفين بصلها ودارى وشّه.
إبراهيم ما بصلهاش، تغيرت تعابير وشه وهو بيبصلي بتركيز أكتر. عينيه نزلت للكيس الورقي اللي حاطه في حضني، الأمتعة الوحيدة اللي حيلتي.
“وهو فيه عيل عنده أربعتاشر سنة يقضي الصيف في قراية العلاج الطبيعي بدل ما يلعب مع أصحابه في الشارع؟”
ترددت.
الإجابة الحقيقية كانت حتة من حياتي مش جاهز أقولها لواحد غريب، حتى لو كان قاعد على بعد خطوات من الأكل اللي هموت عليه.
فقلتله أبسط حقيقة.
“علشان دخول مكتبة مصر العامة ببلاش.”
إبراهيم اتسمر مكانو.
صوت موتوسيكل معدي بعيد، وصوت الشاي واللمة جوه القهوة. ولحظة غريبة كده، حسيت إن كل اللي باقيلتي في الدنيا متعلق باللي هيعمله المعلم ده في الثانية الجاية.
عنيه راحت ناحية صينية الأكل.
توقعت يرميلي الطبق.
أو يرميلي عشرين جنيه.
أو ما يدينيش حاجة خالص.
بس بدل ده كله، إبراهيم مسك العجل بتاع الكرسي.
وزق نفسه لحد ما بقى بيني وبينه شبرين، والرجالة اللي واقفة سكتت خالص.
بص في عيني قوي.
“انسى الأكل دقيقة ياض.”
قلبي بدأ يدق في قفصي الصدري.
إبراهيم مال عليّ وقال:
“لو إديتك فرصة بجد، أول حاجة هتعملها إيه؟”
ساعتها بس فهمت.
هو ما كانش بيفتر عليا ولا بيدي صدقة.
ده أعتى سواق في المنطقة كان بيختبرني.
وأي كلمة هتطلع من بقي دلوقتي، كانت كفيلة تغير حياتنا إحنا الاتنين.
أخذت نفس عميق، وسبت الكيس الورقي يقع من إيدي على الأرض. نزلت على ركبتي في الشارع، والتراب بيطير تحت رجلي، وبصيت في عين إبراهيم العفريت مباشرة:
“أول حاجة هعملها، هطلب منك تقلع الفيست الجلد ده وتحط إيدك على التربيزة.”
الرجالة اللي واقفه برقت، وواحد منهم قرب خطوة وقال بصوت واطي: “أنت اتجننت يا روح أمك؟ أنت بتؤمر المعلم؟”
إبراهيم رفع إيده وثبت الراجل في مكانه بلمحة عين، من غير ما يشيل نظره من عليا. “سيبه يكمل يا درش.. كمل يا صبي.”
“قبل ما ألمس رجلك أو أقولك قوم امشي، لازم أعرف الدورة الدموية في دراعك وجسمك العلوي شغالين بإيه،” كملت بثبات وأنا حاسس بدقات قلبي بتدب في زوري. “الدكاترة الكبار غالباً ركزوا على المكان الميت.. المكان اللي اتصاب. بس أنا قريت إن الجسم بيسند بعضه، ولو عضلات ضهرك وكتفك مش شايلة وزنك صح، الكرسي ده هيفضل يأكل في عضمك كل يوم لحد ما تضعف خالص.”
السكوت نزل على القهوة كأنه شتاء مفاجئ.
إبراهيم شال النظارة السودا بالبطيء، ولأول مرة شفت عينيه؛ عينين بني غامق، فيهم تعب السنين بس فيهم كمان شرارة حية ماماتتش. هو فعلاً صرف آلاف على دكاترة ببالطوهات بيضا يجوا بالسمّاعات يقولوله “للأسف الشديد مفيش أمل في الأعصاب”، بس مفيش حد منهم فكر يتعامل معاه على إنه راجل عاوز يفضل شديد وقوي في كرسيه، مش مجرد مريض يستنى المعجزة.
إبراهيم بص لدرش وقال بصوت هادي بس يقطع: “هات صينية الأكل دي يا درش.. وحطها على التربيزة جوة.”
وبعدين بصلي وغمازتين غضب خفاف ظهروا في وشه: “واد يا… أنت اسمك إيه؟”
“حسن.”
“قوم يا حسن، شيل كيسك المبهدل ده وادخل كُل. قدامك عشر دقائق تخلص الأكل ده كله، وبعدها هتوريني بعينك أول حركتين قريتهم في دار الكتب.. ولو لقيتك بتهبد، هخلي الرجالة ترميك في الترعة.”
دخلت القهوة، ولأول مرة من أيام، طعم الأكل يدخل بقي. كنت باكل بسرعة وجوع، بس عقلي كان بيجري أسرع من سناني، براجع كل صفحة قريتها، كل رسمة لعضلة الكتف والعصب الشوكي، كل تمرين إطالة للمقعدين.
لما خرجت، كان إبراهيم قاعد مستنيني، قلع الفيست فعلاً، وشمر أكمام قميصه.
“أنا جاهز يا حسن.. وريني هتبدأ منين.”
مسكت إيد المعلم إبراهيم، وكانت دي أول خطوة في رحلة طويلة مش بس غيرت أسلوب حركته وجسمه، لكن فتحت باب لقصة جديدة تماماً لكل واحد فينا.
#حكايات_شروق_خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *