خريجة سجون حكايات شروق خالد
شيلت ذنب حادثة أخويا ودخلت السجن مكانه، وبعد ما خرجت عيلتي قالوا عليا إني عار عليهم.
قضيت سنتين في السجن عشان أخويا.
مش عشان أنا اللي عملت الحادثة.
مش عشان كنت سايقة وأنا شربانة.
مش عشان مشيت عكس اتجاه على الطريق الدائري وموتت أب لطفلين كان راجع من شغله بالليل.
أنا دخلت السجن لأن “رامي” هو أخويا الكبير، ولأن مراته “شيرين” كانت لسه متجوزة جديد وحامل، ولأن أبويا وأمي نزلوا على ركبهم في أرض شقتي وفضلوا يترجوني ويبكوا لحد ما صوتهم اتقطع، ولأنهم وعدوني إن لما أخرج، هيعوضوني عن كل حاجة.
وعدوني إنه هيفضل ليا عيلة.
وعدوني إن أوضتي هتفضل زي ما هي مستنياني.
وعدوني إني عمري ما هكون لوحدي.
بس اليوم اللي خرجت فيه من سجن القناطر، وقفت برة البيت القديم بتاعنا في مصر الجديدة، البيت اللي كبرت فيه، وسمعت امرأه أخويا بتقول جوا:
حكايات شروق خالد
— “يا طنط، وجود رانيا معانا في البيت هيجيب لنا الكلام. إحنا ناس محترمين ورامي لسه مترقي في شركته، مش حمل إن الجيران يقولوا أخته خريجة سجون.. كفاية إننا شيلنا اسمنا من الفضيحة زمان.”
ساعتها رجلي ما شالتنيش.
مديت إيدي وفتحت الباب اللي كان موارب، والصدمة لجمت الكل أول ما شافوني واقفة.
أمي قفت مكانها ووشها اتقلب ألوان، وأخويا رامي—الراجل اللي ضحيت بسنتين من عمري وشبابي عشان مستقبله وابنه ما يترماش في الشارع—بص في الأرض ومطقش بكلمة.
قلت وصوتي مخنوق بالدموع:
— “ده الوعد يا أمي؟ دي الأوضة اللي هتبقوا مستنييني فيها؟”
أمي قربت مني وهي بتبص حواليها خايفة حد من الجيران يشوفني، وقالت بصوت واطي وقاسي:
— “يا رانيا يا بنتي افهمينا.. إحنا ما نكرناش جميلك، بس شيرين معاها حق.. إنتي دلوقتي بقيتي ‘سوابق’ في الورق، والناس مابترحمش. رامي هيأجر لك شقة صغيرة في منطقة تانية بعيد، وهنبعت لك قرشين كل أول شهر.. بس بلاش تقعدي هنا.”
### اللحظة اللي فوقت فيها
بصيت لرامي اللي كان لابس بدلة غالية وساعة بتلمع، ولشيرين اللي كانت شايلا ابنها اللي عنده سنتين وبتبص لي بقرف.
في اللحظة دي، الغباوة اللي كانت عمياني اختفت، وحسيت بنار بتاكل في صدري.
قلت لرامي:
— “إنت مش هتدفع لي قرشين يا رامي.. وإنتي يا أمي مش هتنفي دمي وتداري عليا كأني جربة.”
رامي وقف وزعق:
— “جرى إيه يا رانيا؟ إحنا بنعمل مصلحتك! أحمدي ربنا إننا مش هنسيبك في الشارع!”
ضحكت بوجع وقلتله:
— “مصلحتي؟ أنا معايا تسجيلات ليك وإنت وأبوك بتترجوني ليلتها، ومعايا إقرار بخط إيدك كاتب فيه إنك أنت اللي كنت سايق العربية وإنك مديون لي بعمرك.. أنا شيلت القضية عشان ابنك، بس بما إنكم بعتوني.. أنا هبعت الورق ده للنيابة الصبح وأطلب إعادة إجراءات المحاكمة.”
### الانهيار
شيرين وشها بقى أصفر وزقت رامي:
— “اتصرف! دي هتودينا في داهية!”
أمي بدأت تعيط وتتمسح فيا وتتأسف، ورامي جيه يمسك إيدي ويبوسها وهو بيترعش:
— “أبوس إيدك يا رانيا، أنا مستقبلي هيضيع وابني هيتشرد.. حقك عليا، البيت بيتك، واقعدي في الأوضة اللي يعجبك!”
نفضت إيده بقوة وبصيت لهم كلهم بقرَف:
— “خلاص.. مابقاش ينفع. أنا قعدت سنتين ورا القضبان بتعلم أدب الحياة، وأول درس اتعلمته إن اللي يبيع دمه عشانكم يبقى مغفل. أنا مش هسجنك يا رامي.. مش عشان بحبك، بس عشان مش هوسخ إيدي بيكم تاني.. أنا هاخد شقتي القديمة اللي باسمي، وتكتبوا لي تنازل عن نصيبك في البيت ده كتعويض عن السنتين اللي ضاعوا من عمري، وإلا والنعمة الشريفة هبيتكم في القسم ليلتكم.”
### النهاية
مضوا على كل الورق وهم بيموتوا من الرعب. أخدت حقي تالت ومتلت بالفلوس والقانون، وخرجت من البيت ده وأنا قافلة ورايا باب عيلة مأصلتش معايا.
عرفت إن السجن الحقيقي مش الحيطة والكلبشات.. السجن الحقيقي هو لما تقفل على قلبك وتضحي بنفسك لناس مابتسواش.
**تمت.**



