طرحة بيضاء ليلتها سوداء ج2 حكايات شروق خالد

مرت الشهور بعد ليلة الفرح المشؤومة دي وكأنها سنين، وتحولت القض..ية لحديث الساعة في مصر كلها. النيابة فتحت التحقيق في حادثة عربية “حسام” من أول وجديد، وبفضل اعتراف بطرس التفصيلي تحت ضغط التحقيقات، وبفضل قلم إيفان اللي طلع فيه جهاز تسجيل صغير هو كان مخصص لابتزاز شركائه بس انقلب السحر على الساحر، اتجمعت كل الأدلة ضد اللعبة القذرة اللي عملوها.
طول فترة المحاكمة، كنت بروح الجلسات ورأسي مرفوعة فوق في السماء. أهلي حاولوا يضغطوا عليّ عشان أتنازل عن أخويا بطرس على الأقل عشان خاطر “سمعة العيلة”، لكن ردي كان قاطع: “اللي هان عليه دم جوزي ويتم بنتي، ملوش عيلة عندي”.
وفي يوم النطق بالحكم، القاعة كانت زحمة ومكتومة بالأنفاس. القاضي ضرب بمطرقته ونطق بالحكم اللي برد ناري: السجن المؤبد لإيفان بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والسجن المشدد 15 سنة لبطرس بتهمة الاشتراك في الجري..مة والتستر عليها.
أول ما الحكم نطق، حسيت بجبل انزاح من على صدري. بصيت لإيفان وبطرس وهم بيتسحبوا بالكلبشات لغياهب السجن، ملامحهم كانت مكسورة وميتة، وعرفوا إن العدالة في مصر مبتنامش، وإن دم المظلوم بيفضل يطارد صاحبه لحد ما يوقعه.
خرجت من باب المحكمة، الشمس كانت طالعة وصوت القاهرة بزحمتها ودفاها كان بيستقبلني وكأني بتولد من جديد. رحت على البيت، لقيت صوفي قاعدة بتلعب وفردة جزمتها البيضا اللي كانت ضايعة ليلتها محطوطة على التربيزة.. الفردة اللي بسببها استخبت تحت الكنبة ونقذت حياتنا.
أخدتها في حضني وفضلت أعيط وأضحك في نفس الوقت. تلات سنين عشتهم في وهم وخداع، بس ربنا أراد إن الحقيقة تظهر على إيد طفلة بريئة. من اليوم ده، قررت أبدأ حياتي من جديد، ركزت في شغلي وتربية بنتي، وبقيت بصلها كل يوم وأنا عارفة إنها مش مجرد بنتي.. دي الملاك اللي ربنا بعته عشان يرجع حق أبوها ويحميني من وسط الذئاب.
حكايات شروق خالد
ومع مرور السنين، بدأت الجروح تدبل وتختفي، وسيبنا الشقة القديمة بكل ذكرياتها المرة ونقلنا لبيت جديد كله طاقة وأمل. صوفي كبرت وبقت في المدرسة، وكل ما أبص في عينيها الذكية، بفتكر دايماً إن ربنا جعل من طفلة صغيرة سبب في إنقاذنا وكشف أكبر مؤامرة عشناها.
أما الشركة اللي حسام تعب فيها، فقدرت بمساعدة محامين مخلصين إني أسترد كل أسهمها وحقوقها اللي كان إيفان وبطرس بيحاولوا يسرقوها. وبقيت أنا اللي بديرها بنفسي، وحولت اسم الشركة لـ “شركة حسام للتجارة”، عشان يفضل اسمه منور في السوق ويكبر لـ بنته لما تكبر وتستلم حلال أبوها.
في يوم من الأيام، وأنا برتب مكتب حسام القديم في البيت، لقيت مذكراته الصغيرة. فتحتها ولقيته كاتب في آخر صفحة: “أنا بشتغل وبحارب في الدنيا دي عشان تالت حاجات.. ربنا، وسارة، وبنتي صوفي”. دمعت بس المرة دي كانت دموع فخر واعتزاز.
قفلت المذكرات وبصيت من الشباك على صوفي وهي بتلعب في الجنينة وبتضحك من قلبها. في اللحظة دي اتأكدت إن الغدر ممكن يكسب جولة، والشر ممكن يعيش في وسطنا لابس قناع طيبة وسذاجة، بس في النهاية الحق زي الشمس مابيتغطاش بغربال، واللي بيحفر حفرة لأخوه بيقع فيها.
عشنا أنا وبنتي في أمان، راسنا مرفوعة، وبندعي له بالرحمة في كل سجدة، وعارفين إن العدالة الأرضية أخدت مجراها، والعدالة الإلهية كانت أكبر وأعظم من كل تدبيرهم.


