"في إيه يا هنا؟ انطقي.. هما عملوا فيكي إيه تاني وأنا مش هنا؟" "مستحملة عشانك يا مروان.. عشان مش عايزه أخرب بيتك ولا أعملك مشاكل مع أهلك.. بس أنا خلاص، جبت آخري ومبقتش قادرة." "قالوا لك إيه؟ قوليلي وماتخافيش." "أول ما أنت نزلت الشغل.. مامتك دخلت الأوضة وفتحت الدولاب، وأخدت فلوس الجمعية اللي كنا شيلينها للمستشفى ومصاريف الولادة." "إيه؟! أخدت فلوس الولادة؟!" "آه.. ولما جيت أكلمها بالذوق، تقى وبثينة وقفوا لي وقالوا لي 'أنتِ حتة جربوعة جاية تتحكمي في فلوس أخونا؟ الفلوس دي حقنا إحنا وأمنا أولى بيها من دلعك'.. ونرمين صممت تطلب بيتزا غالية على حسابك، ورموا الكراتين في الصالة وقالت لي 'قومي نضفي، هو مروان متجوزك عشان تقعدي هانم؟'.. أنا وقفت في المطبخ ده 4 ساعات يا مروان على رجلي عشان خايفة يزعلوا منك أو يشتكوا لك مني." *النار شعللت في صدري، ودموع مراتي اللي نازلة بقهر طيرت برج من نفوخي.. سبت إيدها وطلعت الصالة وزعقت بعلو صوتي خلى التليفزيون يتكتم والكل يتنفض من مكانه.* "كله يقف على رجله هنا!! اخلصوا!!" #حكايات_شروق_خالد "جرى إيه يا مروان؟ بتزعق في أمك وأخواتك عشان الست هانم اشتكت لك؟" "الفلوس!! الفلوس اللي أخدتوها من الدولاب حالا تطلع!! فلوس ولادة ابني المستشفى!! اخلصي يا أمي أنتِ وبناتك!" "جرى إيه يا واد؟ أنت هتتحامى في البت دي وتنسى لحم كتافك؟ الفلوس دي أنا أخدتها عشان أشتري غسالة جديدة لأختك بثينة، وأنت ملزم تجهزها!" "ملزم؟! أنا طاحن ضهري 14 ساعة في المخازن عشان أولد مراتي في مستشفى نظيفة، وأنتوا جايين تسرقوا فلوسنا وتذلوا مراتي وهي حامل في الثامن؟! لموا حاجتكم حالا!! الشقة دي متباتوش فيها دقيقة واحدة!" "تطرد أمك وأخواتك يا مروان عشان حتة حُرمة؟! ده إحنا عيلتك!" "العيلة مابتسرقش قوت ابنها يا أمي! العيلة مابتذلش واحدة حامل وتهينها في غياب جوزها! الموبايل اللي في إيدك ده يا بثينة هيتِرد بكره والشركة هتاخده عشان مش دافع قسطه، والفلوس اللي اتسرقت هتدفعوا تمنها تالت ومتلت.. يلا بره!! بره بيتي ومسمعش صوت حد فيكم تاني!!" #حكايات_شروق_خالد "بره فين يا ابن بطني؟ أنت اتجننت خلاص؟ بتطرد أمك وأخواتك البنات في نصاص الليل عشان خاطر واحدة لسه جايه امبارح في بيتك؟" "دي مش واحدة يا أمي! دي مراتي! دي اللي شيلاني وشايلة اسمي، والقرش اللي مدة إيدك عليه وسرقتيه من دولابي ده عرق شقايا وتجارتي في المخازن! الفلوس دي تطلع حالاً، وإلا وقسماً بالله العظيم هطلب لكم النجدة وأعمل لكم محضر سرقة بالدليل وبصماتكم على الدولاب!" "محضر سرقة؟! أنت بتهدد أمك بالبوليس يا مروان؟ عشان كام ألف جنيه؟ ما أنت طول عمرك بتصرف علينا وعلى جهاز أخواتك، جرى لك إيه لما أخدنا الفلوس؟" "جرى لي إيه؟! جرى لي إني بموت في اليوم ميت موتة عشان أوفر قرشين لولادة ابني! جرى لي إنكم استغليتوا غيابي ودخلتوا بيتي تسرقوني وتذلوا مراتي وهي مش قادرة تقف على رجليها! فين الفلوس يا أمي؟ بقولك للمرة الأخيرة.. الفلوس فين؟" "الفلوس مش معايا! الفلوس أهي مع بثينة في الشنطة، ومش هتاخدها! ده حقنا، وأختك لازم تتجوز وتتستر، والبت دي تولد في مستشفى حكومي ولا تولد في بيتها، ما طول عمرنا بنولد في بيوتنا ومجرى لناش حاجة!" "هاتي الشنطة دي يا بثينة!" "لأ مش هديها لك يا مروان! سيب الشنطة! يا ماما الحقي ابني بيشد مني الشنطة عشان خاطر مراته الفرفورة!" "سيب الشنطة يا مروان بدل ما أدعي عليك وغضبي يلاحقك ليوم الدين!" "ادعي يا أمي! ادعي زي ما أنتِ عايزة، ربنا رب قلوب وعارف مين الظالم ومين المظلوم! ربنا مش هيقبل دعوة واحدة ظلمت سرير ابنها وسرقت فلوسه وقهرت حُرمة حامل! هاتي الفلوس!" *قشطت الشنطة من إيد بثينة بالعافية، وفتحتها وطلعت رزمة الفلوس حطيتها في جيبي، ورميت الشنطة في الأرض.* "أهو.. أدي الفلوس أخدتها. ودلوقتي.. الباب يفوت جمل. أنتِ وبناتك بره بيتي حالا!" #حكايات_شروق_خالد **"مروان.. أنت بتطردنا بجد؟ طيب وحياتك عندي لتندم، والبت دي مش هتهنى بقرش ولا بضنا!"** صرخت تقى بالكلمات دي وهي بتجر أختها بثينة ونرمين من إيديهم، بينما أمي وقفت تبص لي بنظرات كلها غل وجبروت، وقبل ما تخرج من الباب تفلت في الأرض وقالت: "كسبت الحُرمة وخسرت أمك يا مروان.. اشبع بيها." قفلوا الباب وراهم برزع هزت الحيطة. الصالة اللي كانت من دقيقتين مليانة دوشة وزعيق وفوضى كراتين البيتزا، فجأة بقت ضلمة وساكتة.. مفيش فيها غير صوت أنفاسي العالية وصوت عياط مكتوم جاي من المطبخ. جريت على جوه، لقيت هنا قاعدة على الرخام ومخبية وشها بين إيديها وبتترعش من الخوف والقهر. انحنيت وجيت على ركبي قدامها، مسكت إيدها وبستها: * "خلاص يا هنا.. خلاص يا قلب مروان، مشيوا.. ومحدش فيهم هيعتب العتبة دي طول ما أنا عايش." هنا رفعت عينيها الحمرا وبصت لي بخوف: * "أنا خايفة يا مروان.. خايفة من دعوة مامتك، وخايفة يعملوا فينا حاجة.. دول باصين لنا في اللقمة وفي العيل اللي في بطني." حطيت إيدي على بطنها المنتفخة وقلت لها بيقين: * "ربنا مش بيقبل دعوة ظالم يا هنا.. القرش ده عرق جبيني، والبيت ده بيتي، وأنتِ عرضي. يلا قومي معايا ارتاحي، وسيبك من أي حاجة تانية." ### بعد مرور شهر.. ليلة الولادة الشهر ده عدا وكأنه سنة.. تليفونات وشتائم ورسايل تهديد ووعيد من أخوالي وأعمامي بسبب اللي عملته مع أمي وأخواتي، والكل طلعني أنا العاق الظالم، ومحدش فيهم سأل الفلوس دي اتأخدت إزاي ولا مراتي اتهانت إزاي. قفلت تليفوني وعزلت نفسي ومراتي عن العالم، وركزت في شغلي في المخازن عشان أعوض أي قرش ناقص. وفي ليلة كاحلة من ليالي شهر طوبة، صحيت على صريخ هنا وهي بتشد في قميصي: * "مروان.. الحقني يا مروان.. أنا بولد.. بطني بتقطع!" قمت زي المجنون، لبستها عبايتها وطرحتها وشيلتها ونزلت بيها في نص الليل. الجو كان بره برد يكسر العضم والمطر مغرق الشوارع. ركبنا تاكسي وطلعت بيها على المستشفى الخاص اللي كنت شايل فلوسها في الدولاب. دخلت هنا غرف العمليات، وأنا وقفت بره في الطرقة لوحدي.. مفيش أخ يسندني، ولا أم تدعي لمراتي بالسلامة، ولا أخت واقفة تطمن عليا. كنت واقف بطولي، ساند ضهري على الحيطة وبدعي ربنا من كل قلبي: *"يا رب.. أنت عارف إني مخنتش حد، وإني صنت بيتي.. اخرجهم لي بالسلامة"* بعد ساعتين.. طلع الدكتور والابتسامة على وشه: * "ألف مبروك يا بشمهندس.. جالك ولد زي القمر، والمدام بخير وصحتها ممتازة." دموعي نزلت من الفرحة.. سجدت في الأرض مكاني وشكرت ربنا. دخلت لهنا الأوضة، كانت شايلا الصغير في حضنها ووشها منور رغم التعب. بوست راسها وراس ابننا اللي سميته "يوسف". ### المفاجأة الكبرى.. الحصاد عدت أيام السبوع، وكنت فاكر إن الموضوع انتهى عند كده، لحد ما لقيت جرس الباب بيرن في يوم الصبح. فتحت الباب ولقيت قدامي "بثينة".. بس مش بثينة بتاعة زمان المستقوية بأمها. كانت واقفة دبلانة، عينيها مكسورة، ولابسة عباية قديمة. * "عايزة إيه يا بثينة؟" قلتها بنبرة جافة. * "مروان.. أرجوك اسمعني.. أمك تعبانة أوي في المستشفى، والبيت اتخرب علينا." وقفت مصدوم.. بثينة حكت لي وهي بتبكي دم، إن الفلوس اللي أمي أخدتها من دولابي زمان عشان تشتري لها الغسالة، أخدها خطيب بثينة "اللي كانوا بيجهزوها له" واختفى بيها، وطلع نصاب وضاحك عليهم، ولما أمي راحت لبيته تطالب بالفلوس، اتخانق معاها ورمى لها حاجتها في الشارع، وأمي من قهرتها وجع قلبها على الفلوس وجهاز بنتها، جتلها ذبحة صدرية ومرمية في المستشفى الحكومي ومش لاقيين تمن العلاج! بصيت لها وسبحان الله.. افتكرت جملة أمي وهي بتقول: *"البت دي تولد في مستشفى حكومي ولا تولد في بيتها"*.. الأيام دارت ومراتي ولدت في أحسن مستشفى، وأمي هي اللي نامت في المستشفى الحكومي بسبب غلها وظلمها. دخلت الصالة، هنا كانت واقفة وشايلة يوسف وسامعة كل حاجة. بصت لي بعيونها الطيبة وقالت: * "روح يا مروان.. روح لأمك، مهما كان دي أمك ودي أختك.. وإحنا ربنا نصرنا وخلاص، بلاش نقابل السيئة بالسيئة عشان ربنا يبارك لنا في ابننا." نزلت مع بثينة ورحت المستشفى.. دخلت على أمي لقيتها دبلانة والجهزة محاوطاها. لما شافتني، دموعها نزلت وحاولت ترفع إيدها المرتعشة عشان تلمسني. انحنيت عليها وبست إيدها وراسها: * "أنا هنا يا أمي.. ومش هسيبك." دلوقتي، أمي وأخواتي عرفوا بالدليل القاطع إن "لحم كتافي" اللي كانوا بيعايروني بيه، مكنش هينفعهم لو كان مبني على ظلم وقهر حُرمة غلبانة. دفعت حساب المستشفى لأمي، ووقفت جنب أخواتي في أزمتهم، بس بحدود.. بيتي وحياتي مع هنا بقوا خط أحمر، وأمي بعد ما خفت، أول حاجة عملتها إنها زارت هنا في البيت، وبست راسها وقالت لها: *"سامحيني يا بنتي.. أنا ربنا عاقبني في أعز ما أملك عشان أعرف إن الله حق."* فلوس الولادة حكايات شروق خالد