سند في زحمه رمسيس الجزء الثاني حكايات شروق خالد

العربية اتحركت في هدوء الليل، وأمل كانت حاسة إنها في حلم. بصت على دراعها اللي كان بيوجعها، وبصت لسليم اللي كان بيتابع تليفونه في صمت مهيب.
فجأة، سليم قفل التليفون وبصلها بنظرة هادية ومطمئنة:
* “انتي ساكنة فين يا أمل؟”
أمل صوتها طلع متقطع من الإحراج:
* “في فيصل.. بس.. الشقة إيجار باسم رامي، وهو معاه المفاتيح، والكمبيالات اللي مضاني عليها كلها هناك.”
سليم رفع حاجبه وابتسم بثقة:
* “الكمبيالات؟ دي دلوقتي بقت ورق كوتشينة ملوش أي لزمة. رامي مش هيشوف النور قبل عشر سنين على الأقل بين سرقة فلوس الشركة وبين المحاضر اللي هتتعمل له بكرة الصبح بتقرير طبي من دراعك ده.. أما بخصوص الشقة، فمن اللحظة دي انتي مش هتعتبي فيصل تاني.”
أمل اتخضت:
* “يعني إيه؟ أمال هروح فين؟ أنا ماليش حد هنا في القاهرة، أهلي كلهم في البلد في المنصورة، وأنا قاعدة هنا عشان الشغل.”
سليم شاور للسواق وقال بنبرة آمرة بس مريحة:
* “اطلع على فندق الماريوت في الزمالك.”
وبعدين لف وشاف علامات الخوف في عيون أمل، فقال بسرعة عشان يطمنها:
* “متخافيش، محجوز لك هناك جناح باسمك، هتقعدي فيه لحد ما نخلص إجراءات النقل. ومن بكرة الصبح، فيه عربية وسواق هيكونوا تحت أمرك يودوكي المستشفى ويرجعوكي.”
أمل دموعها نزلت تاني، بس المرة دي من الصدمة والفرحة:
* “سليم بيه.. أنا ممرضة غلبانة، والله العظيم كل ده كتير عليا، أنا مش عارفة هرد لحضرتك جميلك ده إزاي!”
سليم سكت ثواني، وبص في عينيها مباشرة وقال بصوت دافي:
* “انتي مش غلبانة.. انتي كنتي لوحدك، ودلوقتي مابقتيش لوحدك. والجميل ده انتي ردتيه لما وثقتي فيا وبعتي التسجيلات.. الباقي كله عليا.”
العربية وقفت قدام الفندق، والحراس فتحوا الباب. أمل نزلت وهي حاسة إن رجليها شايلاها لأول مرة، الهوا بارد والمطر خف، وكأن الدنيا كمان بتبتسم ليها بعد ما عاشت في ضلمة رامي وتهديداته. دخلت الفندق وهي عارفة إن من الليلة دي، حياتها القديمة ماتت، وبدأت حياة جديدة مفيهاش خوف.
حكايات شروق خالد
مرت ثلاثة أسابيع على الليلة دي، وحياة أمل اتبدلت 180 درجة.
في المستشفى، الوضع بقى مختلف تماماً؛ المدير بنفسه بقى يمر عليها ويطمن إنها مش محتاجة حاجة، والكل عرف إن وراها ضهر وسند مفيش مخلوق يقدر يقف قدامه. رامي اتقبض عليه، والنيابة واجهته بالتسجيلات وكشوف الحسابات المزوّرة، وبقى محبوس على ذمة القض..ية وجناية الاختلاس والابتزاز كفيلة تخليه يقضي شبابه كله ورا القضبان.
في يوم، أمل كانت خارجة من شفت العصر في المستشفى، لقت نفس العربية المرسيدس السودا واقفة مستنياها، والحارس فتح لها الباب بابتسامة:
* “اتفضلي يا آنسة أمل، سليم بيه منتظرك.”
أمل ركبت وهي حاسة إن الخوف اللي كان معشش في قلبها اختفى وحل محله أمان مكنتش تحلم بيه. العربية مشيت لحد ما وقفت قدام برج سياحي فاخر يطل على النيل مباشرة في الزمالك.
الحارس أخدها وطلعوا الدور الأخير، الباب اتفتح ولقت سليم واقف لابس قميص أبيض وباصص للنيل من الشباك الإزاز الكبير. أول ما شافها، ابتسم وهز رأسه:
* “حمد الله على السلامة يا دكتورة. دراعك عامل إيه دلوقتي؟”
أمل ردت بامتنان وخجل:
* “الله يسلمك يا سليم بيه.. مابقاش فيه أثر خلاص، كأنه كان كابوس وصحيت منه.”
سليم قرب منها، وطلع من جيبه مفتاح فضي أنيق، وحطه في إيدها:
* “دي مفاتيح شقتك الجديدة.. في نفس البرج هنا، الدور اللي تحتيا عليا طول. الشقة دي باسمك، وكل حاجتك اللي كانت في فيصل المحامية جابتها، والكمبيالات القديمة اتقطعت واترست في الزبالة.”
أمل برقت عينيها وبصت للمفتاح برعب:
* “شقة؟ وباسمك؟ لأ يا سليم بيه.. كفاية الفندق، وكفاية إنك رجعت لي حقي وفلوسي اللي رامي سرقها.. أنا مش ممكن أقبل بكل ده، ده كتير جداً عليا!”
سليم حط إيده في جيبه وبص لها بنظرة حادة بس مليانة حنية:
* “أنا مابرجعش في كلمة قلتها.. قلت لك مابقتيش لوحدك. وبعدين الشقة دي مش ببلاش.. دي إيجار قصاد خدمة هتقدميها ليا.”
أمل استغربت ورفعت حاجبها:
* “خدمة؟ خدمة إيه؟”
سليم ضحك بصوت رجولي واطي، وقرب منها خطوة:
* “أنا والدتي صحتها على قدها، ومحتاجة ممرضة بتفهم وبنت حلال تاخد بالها منها وتراعيها في البيت.. وأنا مش هأتمن حد على أمي غيرك يا أمل. ها.. قلتي إيه؟”
أمل بصت للمفتاح في إيدها، وبصت لعينين سليم اللي كانت أول مرة تلمح فيهم مشاعر تانية غير القوة والجمود.. مشاعر إعجاب واحترام حقيقي. ابتسمت والدموع لمعت في عينيها وقالت:
* “أنا تحت أمرك يا سليم بيه.. طالما الخدمة دي لست الكل، يبقى رقبتي سدادة.”
سليم هز رأسه وقال وهو بيشاور على السفرة اللي كانت مليانة أكل من أفخم المطاعم:
* “تمام.. اتفضلي بقى كلي، عشان من اللحظة دي.. مفيش يوم هيفوت عليكي وأنتي جعانة أو خايفة طول ما أنا عايش.”
