تنكرت في شكل شغاله

اتنكرت في شكل شغالة في بيتي علشان أختبر خطيبة ابني قبل الفرح. أول ما شافتني بالهدوم القديمة، بصتلي من فوق لتحت بقرف وقالت: “إيه المنظر المقرف ده؟ حد يغسل الوساخة اللي ماشية على رجلين.” وفجأة مسكت جردل مية وسخة وكبّته كله عليّا وهي بتضحك.
ولا اتعصبت… ولا رديت.
كل اللي عملته إني مسحت وشي بهدوء، وضغطت على زرار جهاز التسجيل اللي مخبياه في جيبي… وناديت بصوت هادي: “يا كريم… انزل يا ابني لو سمحت.”
الجردل كان لسه بيقع من إيدها قبل ما كريم ينزل آخر كام درجة في السلم، والمية الرمادي الوسخة كانت بتنزل من على شعري لحد ياقة اليونيفورم الباهت اللي اشتريته من محل هدوم مستعملة.
هي كانت واقفة بتضحك، كأن إهانة شغالة غلبانة أحلى حاجة عملتها الأسبوع ده.
قالت وهي بترمي الجردل على الأرض: “بصراحة شكلك يقرف… كان لازم حد يغسلك.”
مسحت وشي بطرف الكم، وأنا حاسة بزرار التسجيل تحت صوابعي.
كررت النداء: “يا كريم… ممكن تنزل لحظة؟”
ابتسامتها اهتزت ثانية واحدة.
من تلات أسابيع، كريم بلغني إنه هيكتب كتابه.
ابني عنده اتنين وتلاتين سنة… محترم، ناجح، وقلبه أبيض بشكل يخليه يصدق أي حد.
أما نادين… دخلت حياته زي إزازة كريستال.

شكلها يخطف العين… لكن حوافها تجرح أي حد يقرب منها.
الغريب إنها كانت ملاك طول ما هي عارفة أنا مين.
قدامي كانت تناديني: “يا طنط فاطمة.”
وتفضل تشكر في الجمعية الخيرية اللي أسستها بعد وفاة جوزي، وتمسك إيدي وتسألني عن صحتي، وتقول إنها مش فارق معاها الفلوس وإن أهم حاجة عندها الحب.
لكن العاملين في البيت كانوا بيحكوا حكاية تانية خالص.
مدام أمينة، مديرة البيت، قالتلي في يوم وهي بتتكلم بصوت واطي: “أول ما كريم يخرج، وشها بيتغير. بتشتمنا بأبشع الألفاظ، وامبارح خلت عم حسن يقعد على ركبته ينضف أثر جزمتها، وهي اللي عملته بنفسها.”
ولما واجهت كريم، هز راسه وقال: “أكيد مضغوطة بسبب تجهيزات الفرح… اديلها فرصة.”
كنت فاهماه.
من يوم ما أبوه اتوفى وهو عنده ستاشر سنة، وهو طول عمره بيحاول يحمي الناس اللي بيحبهم.
وأنا عمري ما كنت عايزة أختارله مراته…
كنت بس عايزاه يشوف الحقيقة بعنيه.
علشان كده قررت أعمل اختبار واحد.
كريم قالها إن كل العاملين في البيت عندهم تدريب، وإن شغالة مؤقتة هتيجي مكانهم يوم واحد.
قصيت شعري تحت باروكة سودا، ولبست نضارة تقيلة، ووسخت إيديا بتراب الجنينة، ودخلت بيتي من باب الخدمة كأني واحدة جديدة.
ماعداش ساعة…
كانت طلبت مني أشيل ست كراتين هدوم للدور اللي فوق، وفضلت تتريق على طريقتي في الكلام، وبعدها اتهمتني إني سرقت إسورة دهب، وهي أصلًا كانت مخبياها جوه شنطتها.
ولما لقيتها في مكانها، قربت مني وهمست: “أشكالك دي المفروض تشكر ربنا إن ناس زينا أصلاً بترضى تدخلك البيت.”
بعدها شافت حتة طين صغيرة عند باب الريسبشن.
قالتلي: “انضفيها بإيدك.”
بصيتلها وقلت بهدوء: “لأ.”
ساعتها دخلت المطبخ…
ورجعت بالجردل.
ودلوقتي، كريم كان واقف في نص السلم، بيبصلي وهو مش مستوعب اللي شايفه.
نادين جريت عليه بسرعة وقالت: “يا حبيبي… الست دي كانت بتهددني.”
ساعتها شلت النضارة…
وبعدها قلعت الباروكة.
كريم وشه اصفر فجأة، وقال بصوت مخنوق: “…ماما؟”
أما نادين…
الدم اختفى من وشها في ثانية.
لكن الحقيقة…
أنا لسه ما خلصتش اختبارها.
كريم نزل آخر درجة وهو بيبصلي وكأن الأرض اتحركت من تحت رجليه.
قال بصوت مرتعش: “ماما… إيه اللي حصل؟”
نادين حاولت تستوعب الموقف بسرعة، ومسكت دراعه وقالت وهي بتمثل البكاء: “والله يا كريم دي مش والدتك… دي كانت بتمثل عليا من الأول… وأنا افتكرتها فعلاً شغالة قليلة الأدب.”
بصيتلها بهدوء، ومسحت آخر نقطة مية من على وشي.
وبعدين طلعت من جيبي جهاز صغير بحجم كف الإيد.
قلت: “كويس إنك خلصتي.”
كريم استغرب. “ده إيه؟”
ضغطت زرار التشغيل.
وفجأة… البيت كله سكت.
خرج صوت نادين واضح جدًا:
“أشكالك دي المفروض تشكر ربنا إن ناس زينا بترضى تدخلك البيت.”
وبعدين:
“انضفي الطين بإيدك يا شغالة.”
وبعدين ضحكتها وهي بتقول:
“شكلك يقرف… كان لازم حد يغسلك.”
كل كلمة كانت أوضح من اللي قبلها.
كريم بقى يبص لها… وبعدها يبصلي.
أما هي، فبدأت تتراجع خطوة ورا التانية.
لكنها رجعت قالت بسرعة: “دي مفبركة… التسجيل متفبرك.”
ابتسمت لأول مرة.
وقلت: “علشان كده… جبت دليل تاني.”
فتحت باب المكتب.
ودخلت مدام أمينة… وعم حسن… والطباخة أم خالد… والجنايني عم سعيد… وكل واحد فيهم كان شايل ظرف صغير.
نادين اتوترت.
قلت: “كل ظرف فيه استقالة.”
كريم اتصدم.
عم حسن قال وهو بيحاول يمسك دموعه: “إحنا كنا هنمشي يا أستاذ كريم… مش عشان المرتب… عشان الكرامة.”
أم خالد قالت: “كل يوم شتيمة… وإهانة… وتهديد بالطرد.”
مدام أمينة مدت موبايلها.
“وده تسجيل من كاميرا المطبخ… يوم ما رمت الصينية في وشي.”
كريم أخد الموبايل.
اتفرج دقيقة…
ودقيقة تانية…
ووشه بدأ يتغير.
قفل الفيديو.
وسأل نادين سؤال واحد:
“ليه؟”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *