ورقة اليانصيب الكاشفة** حكايات شروق خالد

فتحتُ باب شقتي القديمة برجل بتترعش من الوجع، ولقيت واد أخويا الصغير، طارق، واقف قدامي. الواد لسه مكملش عشرين سنة، إيديه كلها شحم وعينه حمرا دم من كتر العياط، كأنه كبر ميت سنة في ليلة واحدة.
مد إيده وحط في إيدي لفة فلوس وهو بيقولي بصوت مخنوق: “أنا آسف يا نهى.. مجمعتش غير تمنمية وأربعين جنيه بس”.
زوري اتسد والدموع حشرجت في صوتي: “جبتهم منين يا طارق؟”.
شفايفه اترعشت وقال: “بعت عِدة الميكانيكا بتاعة جدي الله يرحمه.. عِدة السناپون اللي غالية عليه”.
الدنيا اسودت في عيني ومبقتش قادرة أنطق. العِدة دي مكنتش مجرد مفاتيح وشواكيش وحديد.. دي كانت مستقبل طارق كله! جدي كان سايبهاله عشان يحقق حلمه ويفتح ورشة ميكانيكا محترمة باسمه في الحتة، وأخويا الصغير باع حلمه عشان يلحق رجلي من العاهة المستديمة.
راح مطلع من جيبه ورقة يانصيب مجعدة وحطها فوق الفلوس وقال بصوت واطي: “اشتريتها بالباقي اللي فضل معايا من البيعة.. يمكن ربنا يرزقنا بمعجزة تعوضنا”.
كنت عاوزة أترمي في حضنه وأنهار من العياط على باب الشقة، بس لما صحيت الصباح اللي بعده وبصيت على الأرقام الكسبانة في الجرنان.. مدمعتش، ومصرختش، ولا حتى عرفت آخد نَفَسي لثواني.
الأرقام كلها كانت هي بالظبط! الورقة دي طلعت كسبانة اتنين مليون وأربعمية ألف دولار!
قعدت متنحة في الورقة وطارق نايم جنبي على الكنبة زي القتيل من كتر الهم والتعب. مكلمتش أبويا وأمي، ولا اتصلت بـ ميرفت أختي، ولا عملت أي هليلة.
كل اللي عملته إني ربطت الجبيرة على رجلي، وسندت على العكاز، ولصمت الجاكيت الميري بتاعي، وطلعت دغري على أكبر مكتب محاماة واستشارات قانونية في وسط البلد.
المحامي بص على لبسي الميري المتبهدل باستخفاف في الأول، بس أول ما حطيت ورقة اليانصيب على مكتبه، عينيه طلعت لبره.
#حكايات_شروق_خالد
قلت له بكل برود: “عوزاك تقبض الشيك ده من غير ما اسمي يظهر في أي حتة.. وبعدها، تفتح لي ملف تحقيق ملوش أول من آخر في دفاتر وميزانيات شركات أبويا وأميا”.
المحامي وشه اتقلب وبص لي بتركيز: “أنتِ عارفة طلبك ده معناه إيه؟”.
قدمت بضهري وبصيت له في عينه: “معناه حرب”.
سألني وهو بيجس نبضي: “حرب ضد عيلتك برضه؟”.
افتكرت ضحكة ميرفت السامة وأنا بترجاهم يساعدوني.. افتكرت أمي وهي بتشرب الشربات وبتقول عليا سيكودرامية وبتلكك.. افتكرت أبويا وهو مستخسر فيا خمس تلاف دولار يلحقوا رجلي من العاهة، في نفس الوقت اللي دافع فيه مية وخمسين ألف دولار عشان يشتري يخت لأختي تتمنظر بيه قدام صحابها.
وبعدها افتكرت طارق ووشه اللي مليان شحم وهو بايع عِدة جده عشان ينجدني.
قلت له: “آه.. عيلتي. فتش ورا كل حساب، كل قرش داخل وخارج، كل حتة أرض، وكل ورقة ممضية. احفر وراهم لحد ما تجيب قرارهم وتطلع المستخبى كله”.
المحامي لسه بيسحب ملف جديد عشان يكتب ورايا، تليفون المكتب رن.
رفع السماعة، سمع الكلام اللي اتقال في تلات ثواني بالظبط، ووشه خشب والحركة وقفت في جسمه.
نزل السماعة بالراحة، وبص لي وعينيه بتقول كلام كتير وقال بصوت واطي: “نهى.. أنتِ لازم تسمعي المحققين بتوعنا لسه لاقيين إيه حالا في دفاتر أبوكي”.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *