سيدة الظل: ج2 .حكايات شروق خالد
مسكت تلفوني وطلبت مدير الحراسة بتاعي، رفعت الصفا: “رفعت.. شغل كل أجهزة التشويش حولين المقر، وجيبلي ملفات السيرفرات بالكامل على فلاشة مفيش مخلوق يلمسها غيرك.. وبلّغ الرجالة القاهرة كلها تحت عينينا الليلة.”
لفت لإنجي وقلت بصرامة: “أنتِ مش هترجعي الشقة.. هتروحي على الفيلّا بتاعتي في الساحل، الحراسة هناك أمن.”
إنجي هزت رأسها بالرفض وقالت وثباتها ميهتزش: “لو مشيت دلوقتي، ماجد هيفهم إنك خايف أو بتخبيني.. الخطوة الجاية لازم نرد فيها في قلب شركته هو.. وفي نفس الساعة.”
بصيتلها بنظرة ذهول: “قصدك إيه؟”
“ماجد مأجر سيرفرات خارجية بتهرب أوراق تراخيص صفقة الميناء لحسابه.. السيرفر ده موجود في مقر شركته في التجمع.. لو دخلنا وسحبنا الدلايل دي دلوقتي، مش بس هنكسر رأسه في السوق، ده هيتمنى الحبس عشان يهرب مني ومنك.”
“يدخل المقر إزاي؟ دا مقفول ومحمي بحراسة مسلحة!”
إنجي طلعت كارت إلكتروني صغير من جيبها وقالت بابتسامة ثقة: “أنا سحبت النسخة دي من محفظة حسام أخوه وهو مغمي عليه قبل ما البوليس يوصل.. المقر ده مفتوح لينا يا أدهم بيه.”
بعد نص ساعة، كنا بنتحرك في عربيتين جيب سود بأرقام معتمة ناحية التجمع الخامس. المطر كان بدأ يخف، بس الجو كان مشحون بدم ونار.
وصلنا للبرج الإداري الخاص بـ “آل زهران”. المكان كان هادي بطريقة تقلق.. إنجي لمست الكارت على الجهاز، والباب الزجاجي الكبير اتفتح بسلاسة.
دخلنا أنا وهي ومعانا أربعة من أطول وأشرس رجالي. طلعنا الدور الأخير، وفجأة.. النور قطع في الدور كله، وصوت سرينة الإنذار اشتغلت بصوت يرعب!
“كمين!” رفعت صرخ وهو بيسحب سلاحه.
بس قبل ما حد فينا يتحرك، النور رجع ينور ويهدى، وظهر ماجد زهران واقف في نهاية الممر العريض، وحواليه أكتر من عشرة مسلحين موجّهين رشاشاتهم على صدورنا مباشرة.
ماجد ابتسم ابتسامة شياطين وقال بصوت عالي: “كنت عارف إن البت دي هتاخدك وتجيبك لحد عندي يا أدهم.. أهلاً بيك في مصيدتك.”
بصيت لإنجي بلحظة شك خاطفة، بس هي بصتلي في عيني بثبات مطلق، وهمست بصوت واطي جداً مش سامعه غيري: “اطمن.. كله تحت السيطرة.. الموبايل اللي في جيبك شغال بيبث كل حاجة للنيابة العامة دلوقتي.”
حكايات شروق خالد
ماجد كان فاكر نفسه ماسك الخيوط كلها، والضحكة الشيطانية مالية وش وهو شايف الرشاشات متوجهة لصدورنا.
قرّبت خطوة منه وأنا حاطط إيدي في جيبي بكل هدوء، وقلت بصوت واطي وبارد: “فاكر إنك أذكى واحد في اللعبة يا ماجد؟”
ماجد ضحك بصوت أعلى: “اللعبة خلصت يا أدهم! إنت والبت دي هتنزلوا من هنا في أكياس، والشرطة هتوصل تلاقي عملية اقتحام مسلحة وانتهت بتبادل إطلاق نار.”
في اللحظة دي، إنجي طلعت ضحكة خفيفة خلت رجالته يترددوا ويبصوا لبعض. رفعت وشها بثقة، وبصت لساعة إيدها وقالت: “باقي عشر ثواني يا ماجد.. أنصحك تنزل سلاحك عشان العقوبة تخف.”
ماجد كشر ولسه حيرفع إيده يدي أمر بالضرب..
فجأة!
أبواب الطوارئ والشبابيك الزجاجية اتكسرت كلها في نفس الثانية بصوت مرعب! قوات خاصة ومجموعات قتالية نزلوا بالحبال من السقف ودخلوا من كل ناحية، والليزر الأحمر غطى أجساد رجالته كلهم في أقل من ثانية.
صوت المكبرات هز الدور كله: “اخفض سلاحك فوراً! المكان كله محاصر!”
رجالته ألقوا سلاحهم في الأرض في ثواني وركبهم بتخبط في بعضها من الهول. ماجد وشه اتقلب أصفر زي الميتين، والسلاح وقع من إيده وهو مصدوم ومش قادر يستوعب اللي بيحصل.
إنجي طلبت البلاغ والبرث المباشر للنيابة والأمن الوطني من أول ما دخلنا المبنى.. الحركة دي كانت خطة متفق عليها بينها وبين قياداتها القدامى للإيقاع بـ “آل زهران” متلبسين بتشكيل عصابي ومحاولة قتل واستيلاء على أوراق الدولة.
الظباط دخلوا وكلبشوا ماجد ورجالته. الظابط المسؤول قرب من إنجي وأداها التحية العسكرية وقال: “تمام يا فندم.. العملية تمت بنجاح، وجميع السيرفرات والمستندات تم التحفظ عليها.”
ماجد وهو بيتسحب في الكلبشات بص لإنجي بغل وقال: “أنتِ مين؟!”
إنجي بصتله بنظرة حادة وقالت: “أنا إنجي.. السكرتيرة اللي استهترت بيها.”
خرجنا من البرج والمطر كان وقف خالص والشمس بدأت تطلع وتشق السماء. وقفنا جنب العربية، وأنا بصيت لإنجي الطالعة من قلب المعركة دي بثباتها ورقتها المعتادة، رغم الكدمات اللي في وشها.
“يعني أفهم من كده إنك هتسيبيني وترجعي شغلك القديم؟” سألتها وأنا بحاول أداري إني مش متخيل المكتب من غيرها.
إنجي ابتسمت هادية، ورفعت نظارتها وقالت: “أنا قدمت استقالتي النهائية من الجهاز من أربع سنين يا أدهم بيه.. القوايا دي كانت أخر خدمة للبلد عشان أنظف السوق.”
ربعت إيدها وكملت: “وبعدين.. مين هيظبطلك قهوتك ويراجع عقود الميناء إمبارح؟”
ضحكت لأول مرة من ليلتها، وفتحت لها باب العربية: “اتفضلي يا سكرتيرتي الفاضلة.. على المكتب، عندنا شغل كتير أوي النهاردة.”
ركبنا العربية، وسيد دور الموتور وتحرك بينا في شوارع القاهرة اللي بدأت تنور مع أصل الضي بتاع الشمس. الجو كان هادي، بس جواه إحساس جديد كلياً.. القواعد اتغيرت، والست اللي قاعدة جنبي مش مجرد سكرتيرة بتنظم مواعيدي، دي بقت الشريك اللي شال عني ضربة كانت هتطير رقبتي.
“أدهم بيه،” صوت إنجي قطع السكوت.
لفت ليها: “نعم يا إنجي؟”
“ماجد وحسام زهران كانوا رأس الحية بس.. المستندات اللي سحبناها من السيرفر فيها أسامي ثقيلة أوي في السوق، ناس معاك في نفس الغرفة التجارية، وناس بتسندك في صفقة الميناء وهما في الأساس بيبصوا لرقبتك.”
#حكايات_شروق_خالد
عيني ضاقت: “مين؟”
إنجي فتحت شنطتها المقطوعة بالراحة، وطلعت منها فلاشة صغيرة سوداء، حطتها في إيدي وكملت: “الملف المشفّر ده فيه كل التحويلات المالية اللي تمت الأسبوع اللي فات.. الحوت الكبير اللي كان بيحرك آل زهران هو الشريف.. منصور الشريف.”
الاسم ده نزل عليا أتقل من الجبل. منصور الشريف مش مجرد منافس، ده الراجل اللي بنيت معاه نص مشاريعي، الراجل اللي بيقعد معايا على ترابيزة واحدة وبيقاسمني اللقمة!
“منصور؟” كررته وأنا بضغط على الفلاشة في إيدي لحد ما كانت هتتكسر.
“منصور كان ناوي يخلص منك ومن آل زهران في ضربة واحدة،” إنجي قالتها بنبرة تحذير. “كان مخليهم الواجهة، ولما حسام يفجر الجراج وماجد يتهمك، كان منصور هيدخل يستولى على أسهمك في الميناء بحجة إنك في موضع شبهة وأمن دولة.”
بصيت لإنجي بذهول، وحسيت بقيمة الست دي من جديد.. أربع سنين وهي شايفاني بتحرك في وسط الذئاب، وساكتة، لحد ما جه الوقت اللي تضرب فيه ضربتها القاضية لحمايتي.
“تفتكري نعمل إيه دلوقتي يا إنجي؟” سألتها، ولأول مرة من أربع سنين آخد رأيها في تحرك عسكري في السوق.
إنجي ابتسمت ابتسامتها الهادية، وعدلت جيبتها وهي بتقول: “النهاردة الساعة عشرة الصبح اجتماع مجلس إدارة صفقة الميناء.. منصور الشريف هيكون قاعد مستني خبر القبض عليك أو انفجار برحك.”
قربت مني وهمست بثقة تخوف: “هنروح الاجتماع ده سوا.. وحضرتك هتدخل وراسك مرفوعة، وأنا هقدم له القهوة بنفسي.. مع نسخة من المستندات دي على الترابيزة قدام الكل.”
مسكت إيدها السليمة، وقلت بنبرة هادية بس مليانة وعيد: “يبقى يلا بينا يا إنجي.. نوري منصور الشريف إزاي اللعبة بتتلعب صح.”
الساعة جت عشرة الصبح بالدقيقة.
قاعة الاجتماعات الفخمة في الدور الأخير من برج الهيئة كانت زحمة، كبار رجال الأعمال وحيتان السوق قاعدين حوالين الترابيزة البيضاوية، ومنصور الشريف قاعد على رأس الترابيزة، ماسك قلم جاف جولد بيلف بيه بين صوابعه ووشه مرسوم عليه هدوء الثعالب.
كان بيطالع ساعته كل دقيقتين، مستني خبر بيمسح اسم “أدهم الفولار” من السوق، أو بيسمع عن مداهمة أمنية لمقري.
وفجأة.. الباب الألوميتال المصفح اتفتح.
دخلت أنا الأول، لابس بدلي السوداء الكاملة، نضارتي الشمس في إيدي، وراسي مرفوعة بأعلى درجات الثقة. وورايا بخطوات متزنة وواثقة كانت إنجي.. لابسة جيب رمادي مظبوطة، وشعرها لمّاه ورا، وعلى وشها كدمة خفيفة وإيدها ملفوفة برباط طبي صغير، بس ماسكة في إيدها ملف أزرق تقيل.
القاعة كلها سكتت. منصور الشريف القلم وقع من إيده على الترابيزة، وعينيه أتسعت بصدمة مرعبة حاوب يداريها بابتسامة صفرا.
#حكايات_شروق_خالد
“أدهم بيه!” منصور وقف وهو بيمد إيده. “حمد الله على السلامة يا راجل.. كنا فاكرينك هتتأخر عن اجتماع صفقة الميناء.”
ما مدتش إيدي. تعديته وقعدت على الكرسي المواجه ليه تماماً، وإنجي وقفت ورايا بكل ثبات.
“معلش يا منصور بيه،” قلتها بصوت هادي يقطع كالشفرة. “أصل كان عندي شوية تنضيف في الجراج الصبح.. ناس كده كانوا فاكرين إن الميه بتمشي من تحت عقبي وأنا مش داري.”
منصور بلع ريقه، وعينيه زادت اضطراب لما بص لإنجي. “تنضيف؟ خير يا أدهم؟”
إنجي اتدخلت بهدوء، وحطت الملف الأزرق قدام منصور على الترابيزة بالضبط.
“خير يا منصور بيه،” إنجي قالتها بصوت واضح سمع القاعة كلها. “الملف ده فيه التقرير الكامل لعقود التنازل عن أسهمك في مشروع الميناء لصالح أدهم بيه الفولار.. بالإضافة لشهادة إبراء ذمة من البنك المركزي.”
منصور كشر بغضب: “إنتِ بتتكلمي إزاي يا شاطرة؟! أنتِ مجرد سكرتيرة هنا! إيه الهبل ده؟!”
ابتسمت وقعدت لورا وربعت إيدي. “السكرتيرة دي يا منصور بيه هي اللي جابتلي الفلاشة السوداء.. الفلاشة اللي عليها تحويلاتك لـ ماجد وحسام زهران عشان يتخلصوا مني الليلة اللي فاتت.”
الهمس والوشوشة ضربت القاعة زي النار في القش. أعضاء مجلس الإدارة بدأوا يبصوا لمنصور بذهول ورعب.
منصور وشه جاب ألوان، وعرق بارد بدأ ينزل من جبهته: “ده كلام فاضي وتلفيق! أنا هرفع عليك قضية رد شرف يا أدهم!”
إنجي طلعت موبايلها، وضغطت على زرار، فطلع صوت تسجيل صوتي واضح وSpeacker عالي.. صوت منصور الشريف وهو بيتفاوض مع ماجد زهران على تسليم الميناء بعد ما أدهم يتصفى!
“التسجيل ده، مع اعترافات ماجد زهران في النيابة العامة من ساعة واحدة بس، بقوا في إيد النائب العام،” إنجي كملت بنبرة حازمة. “أمامك خيارين يا منصور بيه.. تمضي على تنازل الأسهم والانسحاب من السوق بهدوء، أو تنتظر القوة الخاصة اللي واقفة تحت البرج دلوقتي عشان تستلمك.”
منصور انهار على الكرسي، أيديه كانت بترتعش وهو بيمسك القلم.. ومضى على العقود وهو مش شايف قدامه من الصدمة.
بعد نص ساعة، كنا طالعين من المبنى. الشمس كانت مالية الشارع، والهوا نقي بعد ليلة المطر الطويلة.
بصيت لإنجي وهي ماشية جنبي، وقلت بابتسامة حقيقية من القلب: “أظن كده حسابك معايا كبر أوي يا إنجي.. مكافأة الصفقة دي هترسيلك على عمولة محترمة.”
إنجي بصتلي وابتسمت ابتسامتها الهادية الرقيقة: “أنا مش محتاجة عمولات يا أدهم بيه.. أنا بس محتاجة إجازة يومين أعالج فيهم دراعي ده، وقهوتك هتكون على مكتبك يوم الحد الساعة تمانية الصبح.”
ركبنا العربية، وسيد حركنا، وأنا متأكد إن الليلة دي ما كانتش مجرد نهاية لحرب.. دي كانت بداية لعهد جديد، عهد أدهم الفولار وإنجي.


