سلسلة العوض ج2 .حكايات شروق خالد
بعد الليلة دي، حياة مريم اتغيرت تماماً. رضا أخدها هي وياسين وطلعوا على فيلته في التجمع، وسط حراسة مشددة. مريم كانت خايفة ومتلخبطة، بس حنيتها على ياسين كانت أقوى من أي خوف. الولد مكانش بيقبل ياكل أو ينام إلا وهي جنبه، وبمرور الأيام، مريم بقت هي الأمان الوحيد للطفل اللي حرمه القدر من أمه.
رضا مكانش ساكت. ضياء في المقابض، وتحت الضغط اعترف بكل حاجة. الكبيرة كانت إن ضياء مكانش شغال لوحده؛ كان في “حوت كبير” من منافسين رضا في السوق هو اللي دفع له ملايين عشان يكسر رضا في أسرته ويضعف نفوذه. رضا بدأ يصفي حساباته في السور بالكامل وبدأت حرب تصفيات هادية من غير ما مريم أو ياسين يحسوا بحاجة.
مع الوقت، رضا بدأ يشوف مريم بنظرة مختلفة. مكانتش مجرد البنت اللي رجعت له حقه أو سكتت ابنه، كان شايف فيها جدعنة ونقاء قل وجودهم في عالمه المليان بالدم والغدر. ومريم بدأت تشوف الوش التاني لرضا.. الأب المكسور اللي مستعد يعمل أي حاجة عشان يحمي ابنه.
في يوم، وبعد مرور سنتين، ياسين كان بيلعب في الجنينة، ورضا واقف مع مريم في البلكونة وبيشربوا القهوة.
رضا بص لمريم وقدم لها علبة قطيفة صغيرة: “السلسلة دي كانت أمانة ورجعت لأصحابها.. بس العلبة دي فيها أمانة جديدة عايز أطلب منك تشيليها طول عمرك.”
فتح العلبة وكان فيها خاتم ألماص بسيط وراقي.
مريم بصلته بذهول، ورضا كمل بكلام طالع من قلبه: “أنا وياسين كنا ميتين من ست شهور قبل ما تدخلي المطعم ده.. انتِ اللي أحييتي البيت ده من تاني. أنا مش بطلب منك تتجوزيني عشان تكوني أم لياسين.. أنتِ بقيتي أمه خلاص. أنا بطلب منك تديني فرصة أكون السند اللي يحميكي بقية حياتك.”
مريم ابتسمت والدموع في عينها، وياسين جرى عليهم من الجنينة وحضنهم هما الاتنين. القصة اللي بدأت بصريخ وعياط في وسط صالة مطعم، انتهت ببيت مليان دفا وأمان، وبداية حياة جديدة لعيلة اتولدت من رحمة موقف واحد.
#حكايات_شروق_خالدمرت خمس سنين على اليوم ده..
البيت اللي كان زمان يكسوه السكوت والخوف، بقيت تسمع فيه ضحكات دافية من الجنينة. ياسين كبر وبقى عنده ثمان سنين، بقى صورة طبق الأصل من أبوه في ثباته ورزانته، بس بأخلاق وحنية مريم. ومريم مابقتش مجرد زوجة رضا المليجي، بقت هي العقل والقلب اللي بيحرك البيت ده، والوحيدة اللي رضا بيوطي راسه قدام رأيها وحكمتها.
رضا غير حياته تماماً؛ قفل كل السكك القذرة اللي كان ماشيها زمان، وصافى كل شغل القضايا المشبوهة، وتحول لراجل أعمال في النور. كان عارف إن مريم وياسين يستاهلوا يعيشوا من غير ما يبصوا وراهم أو يخافوا من طلقة طايشة.
في ليلة جمعة، نفس اليوم ونفس الوقت اللي التقوا فيه من خمس سنين، رضا أخد مريم وياسين ونزلوا على نفس المطعم—مطعم “القدر”.
المطعم كان متقفل ومظلم، بس أول ما دخلوا، النور أضاء بالكامل. رضا كان حاطط صور لإيمان الله يرحمها في مدخل المكان، وعامل لوحة تذكارية باسمها، وجنبها مكتبة خيرية كبيرة لدعم الأطفال الأيتام اللي فقدوا أهاليهم.
رضا بص لمريم ومسك إيدها قدام ياسين وقال: “المكان ده كان بداية الوجع، وكان بداية النجاة.. الليلة دي أنا بعلن إن المطعم ده بقى وقف خيري باسم إيمان وباسمك يا مريم. زي ما دخلتي المكان ده وغيرتي قدرنا، المكان ده هيفضل يغير قدر كل حد محتاج.”
ياسين بص لمريم وابتسم وهو ماسك إيدها الإيد الأولى، وإيد أبوه بالإيد التانية، وقال بصوت مليان فخر: “يا ماما.. بابا دايماً بيقولي إن ربنا بعتك لينا عشان تنقذينا.”
مريم حضنت ياسين وبصت لرضا، وحست إن كل شقاء عمرها، وكل الأيام الصعبة اللي عاشتها زمان، كانت مجرد تمهيد لللحظة دي.. للحظة اللي عوضها ربنا فيها بعيلة أخيرًا حست معاهم بالأمان.
#حكايات_شروق_خالدتمر الأيام والسنين، وفي يوم عيد ميلاد ياسين العاشر، البيت كان مليان حركة وبهجة. رضا ومريم كانوا واقفين في الجنينة بيتفرجوا على ياسين وهو بيلعب مع صحابه من المدرسة، وضحكاته مالية المكان.
رضا قرب من مريم، وحط دراعه حولين كتافها، وبص لها بنظرة مليانة امتنان وقالها: “عارفة يا مريم؟ كل ما أبص لياسين وهو يضحك وبيلعب مبسوط، بفتكر الليلة دي في المطعم.. الليلة اللي كان فيها أملنا مقطوع، وكنت فاكر إن الحياة وقفت خلاص.”
مريم ابتسمت وبصلته بحب: “ربنا ما بيعملش حاجة وحشة يا رضا.. كان لازم نمر بالوجع ده عشان نعرف قيمة النعمة والأمان اللي إحنا فيه ديلوقتي.”
في اللحظة دي، ياسين جرى عليهم وهو بيضحك ومسك إيد مريم وإيد رضا، وقالهم: “يلا عشان نقطع التورتة! أنا مستني اليوم ده من زمان!”
دخلوا كلهم للبيت، والضحك والأمان لافين المكان.. القصة اللي بدأت بصريخ ووجع، استقرت وبقت حكاية أمل وعوض جميل من ربنا، وأثبتت إن الرحمة والأصل الطيب يقدروا يغيروا أعتى الأقدار ويفتحوا أبواب المقفولة.
#حكايات_شروق_خالدمرت السنين وتوالت الأيام، وياسين بقى شاب طول بعرض عنده ثمانية وعشرين سنة. كبر وبقى مهندس ناجح ماسك إدارة الشركات اللي رضا أسسها في النور. ياسين طلع راجل يعتمد عليه، واخد من أبوه الهيبة والذكاء، ومن مريم الطيبة والرحمة.
في يوم دافي من أيام الربيع، الفيلة كانت مقلوبة ومترتبة على سنجة عشرة. رضا ومريم، اللي الشيب بدأ يبان في شعرهم بوقار وجمال، كانوا واقفين يستقبلوا المعازيم. النهاردة كان يوم خطوبة ياسين على بنت متربية وبنت ناس طيبين اختارها قلبه.
وسط الهيصة والأغاني، ياسين سحب مريم من إيدها بهدوء، وأخدها هي ورضا وقافوا على جنب في بلكونة الجنينة بعيد عن الزيطة.
طلع ياسين من جيبه علبة صغيرة، فتحها وطلع منها السلسلة الفضة القديمة—سلسلة أمه إيمان اللي مريم شالتها وصانتها طول السنين دي.
ياسين بص لمريم والدموع في عينيه وقال بصوت طالع من قلبه: “يا أمي.. السلسلة دي كانت السبب إنك تدخلي حياتنا وتنقذينا. أنا اتفقت مع خطيبتي إنها تلبس السلسلة دي النهاردة في خطوبتنا، عشان أبدأ حياتي بنفس البركة والأمان اللي دخلتي بيه بيتنا من عشرين سنة.”
مريم ما قدرتش تمسك دموعها، حضنت ياسين بقوة، ورضا كان واقف باصص لهم وعينيه بتلمع بفخر وحب. رضا حط إيده على كتف مريم ووشوشها: “شفتاي يا مريم؟ الجذرة اللي زرعتيها بالرحمة زمان، جنينا ثمرتها النهاردة ستر ونور وراحة بال.”
القصة اللي بدأت بليلة مظلمة وصريخ في مطعم وسط القاهرة، كبرت وبقت شجرة عيلة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، وبقت دليل حقيقي إن الطيبين دايماً ربنا بيجعل نهايتهم جبر خاطري وعوض ينسيهم كل اللي فات.


