تحت الغطا الأحمر حكايات شروق خالد

جوزي رمى الفراولة بتاعتي في الزبالة، وقعد ياكل طبق شوربة لحمة، وقال لي إن الدكتورة قالت له إني لازم أخس.
كنت في الأسبوع السادس والعشرين من الحمل.
الكريم شانتيه اتزحلق من على حرف طبق جدتي الأزرق الأول. وبعدين الفراولة. ست حبات، غسلتهم وقطعتهم وشوربة هشام بتغلي على البوتاجاز.
خبط الطبق في حرف الزبالة.. مرتين.
“يا هشام.”
“بلاش تبدئي يا مريم.”
كان يوم حد، 18 أكتوبر 2026. المطر كان بيخبط على شباك مطبخ شقتنا الصغيرة في المعادي. جزمته محطوطة تحت بنكت المدخل، وشنطة مكتبي جنبها مليّانة كتب كنت واعدة هشيلها وأرجعها يوم الاتنين.
كل حاجة كانت باينة ليلة عادية خالص.
ودي كانت المشكلة.. عشان كده كان صعب أوي أشرح لأي حد اللي حصل بعدين.
هشام شطف الطبق وقلبه على صفاية المطبخ. وبعدين غرف لنفسه طبق شوربة وقطع حتة رغيف بلدي تخينة من العيش اللي على الرخامة.
“دول بتوعي”، قلت له.
“فيه أكل بجد أهو.”
“عارفة، بس كنت عايزة أكل الفراولة وأنا مستنية العشا.”
قعد.
“دكتورة نادية قالت إنك لازم تاخدي بالك من وزنك. وأنا بحاول أساعدك تعملي ده بجد.”
كنت عند دكتورة النسا يوم الجمعة. وهشام دخل معايا آخر الكشف بإذني. اتكلمنا عن جدول شغلي، وميعاد الزيارة الجاية، والأسئلة اللي كنت كاتباها في ورقة السوبر ماركت.
سيرة الخسسان مكنتش أصلاً في الموضوع.
“هي ما قالتش كده أصلاً.”
“قالت لازم نبقى عاقلين.”
“ده كلام تاني غير إنها قالت أخس.”
“إنتِ بقيتي بتاخدى أي كلمة بحساسية الأيام دي.”
نفخ في معلقة الشوربة.
كان فيه طبق تاني نظيف جنب الحلة. ما قاليش ما تاكليش عشا. لو حكيت لحد اللي حصل، دي كانت هتبقى حجته الأولى والجاهزة.
بس العشا مبقاش هو اللي شاغل تفكيري.
كنت بفكر في إيده اللي حطها فوق منيو الحلو يوم عيد جوازنا. والجرسون اللي كان بيبص لي وهشام بيقول له: “خلاص، إحنا تمام”. واليوم اللي شال فيه فطيرة الفطار بتاعتي حطها جوه الدولاب وقال إنه عمل فيا معروف.
وكل مرة، كان بيبقى فيه مبرر صغير على قد إنه يخليني أنا اللي أعتذر له عنه جوايا.
خايف عليا.. ما يقصدش.. ضغط الشغل بقى.
أنا عندي واحد وتلاتين سنة. بساعد الطلبة يطلعوا الأبحاث والمراجع طول اليوم. ممكن ألاقي لك مقال علمي من نص جملة وتاريخ حد نسي نصه.
بس في البيت؟ بقيت شاطرة جداً في إني أضيع أصل الموضوع وأكدب نفسي.
“هو إنت اتكلمت معها لوحدك وأنا برة؟” سألته.
المعلقة وقفت في إيده.
“يا مريم، بطلي هبل بقى.”
“سؤال عادي.”
“هي وضحت كل حاجة.”
بصيت على الزبالة. لقيت حتة فراولة حمرا لازقة جوه الغطاء من جوه.
بعد الظهر، كنت باعتة رسالة لوفاء مامته بخصوص الفراولة. كانت بتلف تجيب طلبات وسألت لو محتاجين حاجة. قلت لها لقيت علبة في التلاجة، بس لو معدية على السوق ولقيت حلو، هيفرحنا لو جابت كمان.
طلب تافه وصغير خالص.
كنت محتاجة أي حاجة صغيرة تفرحني وخلاص.
عيني دمعت، لفيت وشي ناحية الحوض عشان هشام ما يشوفنيش. وفي اللحظة اللي عملت فيها كده، حسيت بنفس الشعور.. زي ما لفيت وشي عنه في المطعم بالظبط.
“دلوقتي بتعيطي عشان شوية فاكهة؟” سألني.
“لأ.”
تنهد كأني ضفت طلب جديد على لستة طلباته.
دخلت الصالة وفتحت أبليكيشن العيادة على الموبايل. تقرير يوم الجمعة كان قدامي.. مفيش أي سيرة خالص إن قالوا أكل ولا خسسان ولا أي هباب من ده.
قرأتها مرتين بعيني.
الصفحة مش هتقول لي كل اللي اتقال في الطرقة برة، أنا عارفة. بس أنا برضو عارفة أنا سمعت إيه جوه الأوضة.
ومفهمتش غلط لوحدي لمجرد إن هشام قال كده على العشا.
من جوه المطبخ.. صوت المعلقة وهي بتخبط في الطبق.
وبعدين جرس الباب رن.
كانت وفاء واقفة على الباب وماسكة شنط السوبر ماركت في إيديها الاتنين.
“تصدقي إنهم نقلوا مكان القهوة تاني؟” قالت وهي داخلة. “تلاتين سنة بتسوق هناك، وشكلهم حابين يعملوا فيا مقلب كل مرة.”
ابتسمت وهي باصة لي، وبعدين الابتسامة راحت من على وشها.
“يا حبيبتي مالك؟”
مسحت دمعة تحت عيني بسرعة.
“أنا كويسة والله.”
الكلمات طلعت لوحدها قبل ما أفكر فيها حتى.
وفاء مدت بصرها بصت ورايا. وهشام رفع إيده من على ترابيزة المطبخ.
“أهلاً يا أمي.. هاتي الشنط دي من إيدك، هتتعبي.”
“أنا بشيل الشنط دي من قبل ما يطلع لك إيدين أصلًا.”
في العادي، كنت ضحكت على ردها.
دخلت لجوه، فأخدت منها شنطتين. واحدة فيها عيش بلدي وفينو وبرتقان. وحاجة تانية مربعة وثقيلة بارزة من الكيس، والكرتونة بتاعتها باينة من البلاستيك.
وفاء حطت باقي الشنط على الرخامة وقالت:
“لقيت لك الفراولة اللي طلبتيها.. التانيين اللي في الأول دول كان شكلهم معديين بأسبوع صعب أوي.”
هشام بص لي.. نظرة سريعة جداً، كأنه ما عملش حاجة. وكنت فاهمة كويس هو عايز إيه.
وفاء خدت بالها من نظراته، وبعدين عينيها راحت على الطبق الأزرق المقلوب في الصفاية.
“هو إنتوا خلصتوا الباقي ولا إيه؟” سألت باستغراب.
فتحت بوقي عشان أقول الرد الجاهز القديم.. أي كلمة تعدي الليلة، أي حاجة تخلي الجو رايق والناس تلبس هدوم السلام وتعدي الأمسية على خير.
وبعدين.. بصيت على حتة الفراولة الحمرا اللي تحت غطاء الزبالة.
“لأ”.. قلتها بصوت ثابت. “ما خلصناهاش.”
هشام نزل المعلقة من إيده.
ورفعت عيني وبصيت في عيون مامته مباشرة.
“هو رماها في الزبالة.. وأنا خلاص، تعبت وفقدت الأعصاب من كتر ما بتمثل إن الحاجات دي ما بتحصلش.”
إيد وفاء وقفت مكانها على شنطة البقالة.
وبعدين.. مدت إيدها ببطء ناحية غطاء الزبالة.
سكتت المطبخ ثانية واحدة.. كأن حتى صوت المطر برة سكت معاها.
وفاء رفعت غطاء سلة المهملات ببطء، وعنيها نزلت على الحتة الحمرا اللي لازقة جوه، وبعدين بصت للطبق الأزرق اللي مقلوب في الصفاية، ورجعت بصت لهشام اللي كان قاعد على الترابيزة ووشه اتخطف وبقى أصفر فجأة.
“إنت رميتهم يا هشام؟” سألت وفاء، وصوتها كان هادي.. هادي لدرجة خلت الدم يتجمد في عروقي.
هشام بلع ريقه، وبصلي بنظرة كلها لوم وعصبية مكتومة، ورجع بص لأمه: “يا أمي هي اللي مش فاهمة.. الدكتورة قالت…”.
“أنا سمعت دكتورة نادية بنفسي يا هشام، ومحضرتش معاك لما دخلت وراها في الطرقة”، قطعت كلامه وصوتي كان بيلف في الشقة كلها، “ولا عمرها جابت سيرة خسسان، ولا دي طريقة يتعامل بيها بني آدم.. مراتي وابني.. ولا حتى واحدة غريبة في الشارع!”
وفاء سابت شنطة البقالة على الرخامة، ومسحت إيدها في عبايتها كأنها كانت ماسكة حاجة مش نظيفة. بصت لابنها نظرة عتاب أكلت وشّه كله، وقالت له بحزم: “قوم.. شيل الزبالة دي دلوقتي، واقعد عاقل بدل ما أعمل اللي ميعجبكش.”
هشام اتحرك من مكانه بعصبية، وشد كيس الزبالة من الباسكت وخبط باب المطبخ وراه وطلع على برة.
المطبخ هدى.. مفيش غير صوت المطر والدقات البسيطة على الشباك.
قربت مني وفاء، حطت إيدها الدافية على كتفي، وبصت لبطني البارزة وقالت بصوت مكسور وحنون: “حقك عليا أنا.. ربيته بس كأن فيه حاجات تاهت منه وهو بيطول.. تعالي يا حبيبتي اقعدي، وسيبي الشغل ده كله عليا.”
سندت راسي على كتفها.. ولأول مرة من زمان أوي، حسيت إن الدموع اللي نازلة مش عشان بداري على حد، ولا عشان بخترع مبرر صغير.. دي كانت دموع إنسانة أخيراً لقت طريقها لبيتها الحقيقي، وعرفت إنها ما كانتش مجنونة، ولا كانت بتكدب على نفسها.
#حكايات_شروق_خالدباب الشقة اتقفل بهدوء ورا هشام وهو نازل بالزبالة.. المطبخ رجع هادي، بس الهوا اللي فيه كان متغير، كأن عاصفة عدت وسابت آثارها على الحيطان.
وفاء شالت باكو العيش والبرتقال وحطتهم في مكانهم على الرخامة، وبعدين طلعت العلبة المربعة الثقيلة من الكيس التاني.. فتحتها، وكانت علبة جاتوه مليانة تارت فراولة صغير وحاجات مشكلة.
بصت للطبق اللي سابه وقالت بصوت واطي وهي بتطبطب على دراعي: “افتكرت إنك كنتِ نفسك في حاجة مسكرة من كام يوم.. لقيت دي قدامي في المحل وأنا جاية وقلت يمكن تحبيها.”
بصيت للعلبة.. حسيت بغصة في ضلوعي، بس غصة حلوة.. دافية. حسيت إن فيه ناس ممكن تشوفك حتى وإنت ساكت ومش قادرة تتكلمي.
بعد دقايق، الباب فتح ودخل هشام.. كان مرجع شعره لوراء بإيده، ووشه أصفر وبيحاول يعمل نفسه مش مهتم. دخل وقعد مكانه على الترابيزة، وسحب طبق الشوربة كأن مفيش أي كوارث حصلت من خمس دقايق، بس إيديه كانت بتترعش شوية.
عينه جت على علبة الجاتوه اللي وفاء فتحتها وحطتها قدامي على الترابيزة.
قال بصوت مخنوق وواطي، كأنه بيحاول ينقذ ما يمكن إنقاذه: “يعني دي اللي صحية دلوقتي يا أمي؟ ما دي اللي بتزود الوزن برضه، والدكتورة كانت…”
وفاء قطعت كلامه بصوت صارم وقاطع هز المطبخ كله: “اخرس خالص يا هشام.. كفاية لحد هنا! مراتك مش مريضة عشان تحسب لها كل لقمة، ولا هي سجينة عندك عشان ترمي أكلها في الزبالة قدام عينيها.. عيب عليك يا ابني، التربية مش كده!”
هشام بلع ريقه، وبص في طبق الشوربة بتاعه وسكت.. مطلعش ولا حرف. الشقة كلها بقت ساكتة تماماً، مفيش غير صوت المطر وهو بيخبط بانتظام على زجاج الشباك.
وفاء سحبت كرسي وقعدت جنبي، وطلعت شوكة صغيرة من الدرج وناولتني إياها بحنان: “كلي يا حبيبتي.. وبالهنا والشفا.. ولو مش عجباكِ، بكرة أنزل أجيب لك أحسن منها بكتير.”
مسكت الشوكة.. وعيني لمعت بدموع جديدة، بس المرة دي.. دموع راحة مش خوف. لأول مرة من شهور طويلة، حسيت إن فيه حد واقف في ظهري، وإن الحقيقة مش محتاجة أدلة ولا شهود.. كفاية بس إنها ظهرت.
مديت إيدي وخدت الشوكة.. قطعت حتة صغيرة من التارت ودقتها. طعم الفراولة الطازة مع الكريمة كان دافي وجميل، ونزل على قلبي يطفي نار كتيرة كنت كاتماها جوه من غير ما أدري.
وفاء فضلت قاعدة جنبي، عينيها متابعاني وأنا باكل، وابتسامتها الهادية كانت بترد لي روحي شوية بشوية. حسيت إن فيه جدار كبير ومخيف اتهد بيني وبين القلق اللي كنت عايشة فيه طول الشهور اللي فاتت.
هشام خلص شوربته في صمت مطبق، مرفعش عينه من الطبق لحد آخر لقمة. قام بهدوء شديد، شسل طبقه وحطه في الصفاية من غير ما ينطق حرف واحد، وبعدين سابنا ودخل الأوضة وقفل الباب وراه بالراحة.. مش بعصبيته العادة، كأنه أخيرًا استوعب إن الحيطة اللي كان مستند عليها اتقطعت من تحته.
بعد دقايق، وفاء قامت عشان تروح شقتها اللي في الدور اللي فوق. وقفت على الباب، وطبطبت على كتفي بحنان وقالت بصوت دافئ:
“تصبحى على خير يا بنتي.. وعايزاكي تحطي في بطنك بطيخة صيفي، مفيش مخلوق يقدر يدايقك تاني وأنا موجودة، ماشي؟”
هزيت راسي ودموع الفرحة لمعت في عيني: “وأنتِ من أهل الخير يا أمي.. ربنا ما يحرمني منك أبدًا.”
قفلت الباب وراها.. ورجعت بصيت لطبق التارت اللي قدامي، وبعدين نزلت عيني على بطني البارزة، وحطيت إيدي عليها براحة.
ولأول مرة من شهور طويلة.. حسيت إن الهوا جوه الشقة بقى خفيف ونظيف، وإن بكرة مش مخيف زي ما كنت متخيلة.
#حكايات_شروق_خالد

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *