حكايات شروق خالد

تم تعيينها لتنظيف غرفة زعيم المافيا، لكن صوتها أصبح الشيء الوحيد الذي لم يستطع ألمه هزيمته.

كانت سلمى عبد الرحمن قد دخلت قصر عائلة المنصوري منذ أقل من دقيقة، عندما صرخ رجل في مكان ما بالطابق العلوي.

الحارس الذي كان يفتش حقيبتها بالكاد أبدى أي رد فعل.

ولا سلمى أيضًا.

كانت تحتاج هذا العمل بشدة.

كان الراتب أربعة أضعاف ما تحصل عليه عاملة منزلية مقيمة. لم يطلبوا منها أي مراجع أو شهادات خبرة. والبدء كان فوريًا. كانت دفعة علاج أخيها في مركز التأهيل مستحقة يوم الجمعة، بينما لم يتبقَّ في حساب سلمى سوى سبعة وثلاثين جنيهًا.

ثم أخبرها صاحب القصر بالمكان الذي ستعمل فيه.

الطابق الثالث.

غرف الرجل الذي كان يصرخ.

اسمه ياسين المنصوري.

كانت هناك قواعد.

ممنوع الاقتراب منه من ناحية اليمين دون تحذيره أولًا. ممنوع لمس ساقه الصناعية إلا إذا طلب منها ذلك. ممنوع ذكر المستشفيات أمامه. ممنوع محاولة إقناعه بتناول أدويته.

وكانت هناك قاعدة أخرى.

“ممنوع تشفقي عليه.”

بعد دقائق، فتحت سلمى باب غرفة نوم ياسين.

طارت كوباية زجاج بجوار رأسها وتحطمت في الحائط.

“اخرجي.”

نظرت سلمى إلى قطع الزجاج المكسورة.

وقالت بهدوء:

“إنت ماصبتنيش.”

رد بغضب:

“ماكنتش بحاول أصيبك.”

قالت:

“يبقى تصويبك ممتاز.”

وهنا رأته.

رجل متلوٍ تحت الأغطية، قابض على فخذه فوق ساقه المفقودة، ووجهه شاحب من شدة الألم.

كانت ساقه الصناعية موضوعة في الناحية الأخرى من الغرفة دون أن يلمسها.

سلمى كانت تعرف هذا النوع من الألم.

وكانت تعرف أيضًا أنها ممنوعة من علاجه.

لذلك سحبت كرسيًا وجلست.

فضل ياسين يبص لها.

“إنتِ بتعملي إيه؟”

“مستنية.”

“مستنية إيه؟”

“مستنية لما تبطل تحاول تخوفني.”

ضيق عينيه.

ثم ضربته موجة أخرى من الألم.

وبدأت سلمى تنقر بإصبع واحد ببطء على خشب الكرسي.

دقّة.

سكتة.

دقّة.

ثم أطلقت أربع نغمات هادئة من تهويدة قديمة كانت أمها تدندن بها أثناء العواصف والرعد.

صرخ ياسين بغضب:

“بطلي!”

لكن سلمى استمرت.

وببطء، بدأ شيء ما يتغير داخل الغرفة.

حكايات شروق خالد

كانت سلمى مستمرة في الدندنة بنفس الهدوء، كأنها قاعدة لوحدها في أوضة فاضية، مش قدام أخطر راجل في القاهرة.

أما ياسين، فكان مش قادر يفهم اللي بيحصل.

الألم اللي كان من شوية بيقطع أنفاسه بدأ يهدى تدريجيًا.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *