أحمد وهند نزلوا في الشارع وهما مش شايفين قدامهم من الفضيحة، الجيران كلها واقفة في البلكونات والشبابيك بتتفرج عليهم وهما مطلعينهم مطرودين من الشقة والبوليس بيشمع الباب وراهم. هند كانت بتصوت في الشارع وبتضرب أحمد في صدره وبتقوله: "ضيعتني وضيعت برستيجي! الشقة اللي قولتلي هتبقي باسمك ضاعت! أنا ماليش دعوة اتصرف!" أحمد كان واقف زي المجنون، عينه لفت في الشارع ومش مستوعب إن كل اللي بناه في سنين ضاع في ثواني. ملقاش قدامه حل غير إنه يجري على بيت أبويا.. الحاج جلال. في نفس الليلة، كنا قاعدين في الصالون الكبير، عيالي التلاتة نايمين في سلام، وأبويا قاعد بيشرب الشاي بتاعه بكل هدوء. فجأة، سمعنا صوت خبط وزعيق بره الفيلا. الأمن منعوا أحمد يدخل، لكن أبويا شاورلهم يسيبوه. دخل أحمد الأوضة وهو هدمته متبهدلة وعرقه سايح، وشه كان أصفر زي الليمونة. أول ما شافني، جري عليا وكان عاوز يمسك إيدي، بس المحامي بتاعنا وقف في وشه ومنعه. أحمد بص لأبويا وقال بنبرة كلها ذل ورجاء: "يا حاج جلال.. أنا ابنكم برضه، وإيمان دي مرتي وأم عيالي. شيطان ودخل مابينا، أنا مستعد أقطع ورق الطلاق ده حالا، ونرجع نعيش سوا، بس بلاش المحاكم والفضايح.. أنا مستقبلي هيضيع وشغلي هيروح فيها!" أبويا حط كوباية الشاي على التربيزة براحة، الصوت الصغير ده خلى أحمد يتنفض في مكانه. أبويا بص له بنظرة حادة زي الموس وقال له: "ابننا؟ أنت من دقيقة ما دخلت على بنتي وهي بتنزف في المستشفى ورميت عليها الورق عشان خاطر واحدة تانية، مابقتش تلزمنا ولا تشرفنا. والورق اللي بتقول هتقطعه ده.. ملوش عازة، لأن الطلاق اتثبت في المحكمة خلاص." أحمد بدأ يترعش وقال: "والقض*ية؟ ق*ضية النصب والتزوير؟ دي فيها سجن!" هنا المحامي رفعت ضحك ضحكة سخرية وفتح ملف تاني خالص وقاله: "قض*ية الشقة دي تسخين يا أستاذ أحمد.. إحنا لسه مبدأناش اللعب التقيل." أحمد بلع ريقه وصوته اتقطع: "لعب إيه تاني؟!" المحامي طلع أوراق رسمية عليها ختم النسر وقال ببرود: "الشركة اللي أنت شغال فيها مدير مالي.. الحاج جلال اشترى 51% من أسهمها بالكامل النهاردة الصبح.. يعني والد مدام إيمان بقا هو صاحب الشغل والولي النعم بتاعك. ومش بس كده، المراجعة القانونية اللي عملناها على حسابات الشركة في الكام سنة اللي فاتوا تحت إيدك، أثبتت إن فيه عجز واختلاس بـ 3 مليون جنيه.. والورق ده رايح للنيابة الأموال العامة بكره الصبح الساعة 9." أحمد حس إن الأرض بتلف بيه، ركبه خانته ووقع على ركبه في الأرض قدام جزم أبويا. بصلي ودموعه نازلة وقال: "إيمان.. عشان خاطر العيال التلاتة.. بلاش تسجنيني.. أنا هعملك كل اللي أنتِ عايزاه، هكتبلك كل اللي حيلتي.. بس بلاش السجن!" بصيت له بكل برود وقوة، النظرة الكسيرة اللي كانت في عيني في المستشفى اختفت تماماً وحل مكانها نبرة ثقة تهز الجبال. قربت منه وقلت له بامتياز: "العيال التلاتة اللي مأنوش في قلبك وأنت جاي تذل أمهم وهي لسه قايمة من أوضة العمليات؟ العيال دول ليهم رب يحميهم، ولياليهم الجاية هتبقى أحسن بكتير من غيرك. زي ما قولتلي في المستشفى بصي لنفسك.. أنا بقولك دلوقتي: بص لنفسك.. ومين بقى اللي هيعبرك وأنت لابس البدلة الزرقا؟" أبويا شاور للأمن: "خلوه يتفضل بره.. بكره النيابة مستنياه." أحمد خرج وهو بيجر أذيال الخيبة، وفي نفس الليلة، هند سابته وأخدت الشنطة البراند اللي كانت فرحانة بيها، واكتشف بعدين إنها باعت الشنطة عشان تدفع للمحامي بتاعها عشان تطلع نفسها من ق*ضية التزوير وتسيبه هو يشيل الليلة لوحده. الدنيا دارت، والعدالة اطبقت في قلب مصر.. هو وراء القضبان بيموت في اليوم ميت مرة من الندم، وأنا وسط عيلتي وعيالي التلاتة، بنكبر وبنبدأ صفحة جديدة كلها نور، ومن غير أي أثر لخاين. حكايات شروق خالد مرت تلات سنين على الليلة اللي أحمد اترمى فيها في السجن. تلات سنين وأنا مركزة في حاجة واحدة بس: عيالي التلاتة (سيف، وسليم، وصوفيا) ونفسي. فتحت أتيليه أزياء خاص بيا وبقى براند معروف في مصر كلها، ورجعت إيمان البنت القوية الناجحة اللي ضحكتها بتهز المكان. وفي يوم، وأنا قاعدة في مكتبي بالأتيليه براجع الحسابات، تليفوني رن. كان الرقم من السجن.. آيوا، المحامي قالي إن أحمد قضا عقوبته وخرج النهاردة لحسن سير وسلوك بعد ما رد جزء من الفلوس. مكنش فارق معايا، الحكاية دي قفلت كتابها ورميته في البحر. لكن الإثارة الحقيقية بدأت بالليل. كنت معزومة في حفلة سحرية كبيرة بتضم كبار رجال الأعمال في مصر بمناسبة توقيع شراكة جديدة مع مستثمر خليجي ضخم، وكنت أنا اللي مصممة فساتين العرض للحفلة دي. واقفه بكل شموخ، لابسة فستان أسود ملكي، والماس بيلع في رقبتي، والصحافة بتصورني. وفجأة، لمحت حركة غريبة عند الباب.. الأمن كان بيطرد واحد شكله مبهدل، هدومه قديمة، ودقنه طويلة، ووشه خاسس وعجوز.. كان أحمد! أحمد حاول يدخل الحفلة بأي طريقة لما عرف إني موجودة، ولما الأمن زقوه، صرخ بأعلى صوته وسط الكاميرات: "إيمان!! أنا جوزك.. أنا أبو عيالك! ارحميني يا إيمان!" المعازيم كلهم سكتوا، والكاميرات فجأة اتوجهت عليه وبعدين اتوجهت عليا. الحارس الشخصي بتاعي قرب عشان يخلصه منه، بس أنا شاورت له بـ إيدي يهدى. مشيت بكل ثقة والناس بتوسع لي، لحد ما وقفت قدامه مباشرة. أحمد بصلي بذهول، مكنش مصدق إن دي إيمان اللي سابها بتموت في المستشفى. وقع على ركبه قدام كل رجال الأعمال والمجتمع، وبدأ يبكي بحرقة: "سامحيني يا إيمان.. أنا بقيت في الشارع، ماليش ملجأ، ولا حد راضي يشغلني، هند سرقت كل اللي ورايا وقدامي وهربت مع واحد تاني بره مصر.. أنا بشتغل بوجبة يومي يا إيمان، أرجوكي رجعيني حتى لو خدام تحت رجليكي ورجلين عيالي!" في اللحظة دي، ظهر من وسط الزحمة راجل طويل، وسيم، بهيبة تخطف العين.. كان "يوسف الهواري"، الشريك الجديد لأبويا في البيزنس، وواحد من أكبر رجال الأعمال الشباب في مصر، وكان بقاله فترة بيحاول يتقرب مني ويعبر لي عن إعجابه باحترامه وأدبه. يوسف وقف جمبي، وحط إيده في جيبه وبص لأحمد بنظرة كلها احتقار، وقال له بصوت رجولي قوي سمع المكان كله: "أنت بقى أحمد؟ الراجل اللي ساب مراته وعياله التلاتة في المستشفى عشان شوشرة مالهاش لزمة؟" أحمد بص له برعب وقال: "أنت مين؟" يوسف ابتسم وحط إيده على كتفي بكل فخر وقال: "أنا الراجل اللي مستني مدام إيمان توافق عليه عشان يعوضها هي وملايكتها التلاتة عن كل يوم مر شافوه معاك.. وأنا صاحب الفندق اللي أنت واقف فيه دلوقتي، وبقولك.. اخرج بره بدل ما أخلي الأمن يعمل معاك السليمة." الصحفيين بدأوا يصوروا المشهد، وأحمد حس إن الأرض بتنشق وتبلعه.. الفضيحة المرة دي كانت على الهوا وقدام مصر كلها. بصيت له نظرة أخيرة، نظرة مفيهاش حتى غل.. فيها مجرد "شفقة" على بني آدم ضيع جنته بإيده. قلت له بكلمتين اتنين بس لخصوا كل حاجة: "اللي بيبيع بالرخيص يا أحمد.. الدنيا بتلف وتبيعه ببلاش. الأمن.. خلوه يتفضل بره عشان بيبوظ برستيج الحفلة." الأمن شالوه ورموه في الشارع وسط نظرات الاحتقار من كل الناس، وتأكد في اللحظة دي إن "الكارما" مش بس جابت حقي.. دي حطت نقطة النهاية في قصته، وبدأت قصتي أنا وعيالي من جديد، وفي مكان عالي جداً ملوش فيه نصيب. ثمن الخيانة ج2 حكايات شروق خالد