صرخه في وادي الصعيد الجزء الاول حكايات شروق خالد

“بابا… دي أمي.”
صلاح، الواد اللي عنده 8 سنين، قال الكلمة دي بصوت واطي ومخطوف أوي، لدرجة إن دوشة شارع عبد العزيز وزحمة وسط البلد كانت هتغطي على صوته. كان يوم سبت العصر، والشمس طالعة والشارع قايد نار والناس رايحة وجاية، اللي شايل أكياس طلبات واللي واقف يشرب عصير قصب، والدنيا هوجة وكله بيجري ورا أكل عيشه.
كل حاجة كانت ماشية طبيعي وعادية جداً… لحد ما الواد وقف فجأة في وسط الزحمة.
صوابعه الصغيرة كلبشت في إيد أبوه، إبراهيم، بكل عزم ما عنده.
إبراهيم بص للواد، لقى وشه خطفه الدم، ولونه بقى ليمونة ميتة.
“قلت إيه يا واد يا صلاح؟”
صلاح رفع إيده وهو بيترعش وشاور على دكانة قافلة جنب فرشة كتب قديمة.
كانت فيه ست قاعدة هناك في الداري على حتة كرتونة مقطوعة ومفروشة في الأرض.
لابسة عباية رمادي قديمة ومبهدلة، ومكنتش تدفيها من لسعة الهوا اللي بدأت تقلب مع العصر.
شعرها كان منكوش ومترب.
والشبشب اللي في رجلها دايب خالص.
وعلى وشها علامات تعب وكسرة نفس، تخلي اللي يشوفها قلبه يتقطع عليها.
الدموع لمعت في عين صلاح وقال بصوت مبحوح:
“دي أمي.. دي شادية يا بابا.”
إبراهيم حس كأن جبل اتهد فوق دماغه، وركبه سابت وقلبه سقط في رجليه.
شادية، مراته وأم ابنه، ماتت وشبعت موت من تلات سنين… أو ده اللي كان الحتة كلها فاكرينه ومصدقينه.
ده هو بنفسه اللي وقف خد العزا في الصوان في أول الحارة!
واستقبل مواساة الجيران والخلان وأهل المنطقة اللي جم يشدوا من أزره ويسندوه في كسرة ضهره.
ده ليلاتي كان بياخد الواد صلاح في حضنه ويهنن فيه وهو بيبكي ودموعه على خده لحد ما عينه تروح في النوم من كتر التعب.
وشال الشيلة لوحده طول التلات سنين… بقى هو الأب والأم، يصحى الصبح يحضر لقمة للواد يغمس بيها وهو رايح المدرسة، ويسرح له شعره يوم الصبحية، وهو اللي يجاوب على أصعب سؤال يقطّم ضهر أي راجل: “هي أمي سامعاني وهي تحت التراب يا بابا؟”
عشان كده إبراهيم هز رأسه بالراحة وحاول يجمّد قلبه وقال له: “لا يا صلاح… أمك راحت للي خلقها يا ابني، ادعيلها بالرحمة.”
بس الواد صمم وتنّح في الأرض ومرديش يتحرك خطوة واحدة، ودموعه نزلت كارا لارة:
“عشان خاطري يا بابا بص لها… بص لها بجد وركز في وشها، مش هتخسر حاجة.”
إبراهيم لف وشه وبص تاني…
وفي اللحظة دي، الست رفعت راسها وبصت ناحيتهم بالراحة وعينها جت في عينه.
ولثانية واحدة، إبراهيم حس إن الدنيا فجأة فضيت من حواليه، والزحمة والدوشة وكلاكسات العربيات اختفوا تماماً.
كانت خاسة جداً عن الأول… الجلد لازق على العظم.
وشها شاحب ومخطوف ومقشّف من شمس الشارع.
وشفايفها مشققة من العطش والناشف.
وفي عينيها حزن وكسرة عمر، توب أكبر بكتير من السنين اللي غابتها.
بس العيون دي… مستحيل يغلط فيها.
دي عيون شادية مراته.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *