صرخه في وادي الصعيد الجزء الثاني حكايات شروق خالد

إبراهيم في اللحظة دي حس ببرودة الموت بتجري في عروقه، بس غريزة الأب والراجل الصعيدي اللي جواه صحت في ثانية. النور بتاع الكشاف كان معميه، بس عينيه كانت خلاص خدت على ضلمة البدروم. لمح كسر ماسورة حديد مصدية مرمية جنب رجله على الأرض.
الراجل اللي ماسك الكشاف خطى خطوة لجوه البدروم وهو بيطلع مطواة قرن غزال من جيبه، ولسه بيفتحها وبيقدم رجله، إبراهيم ملامش نفسه! وطي في أجزاء من الثانية، مسك الماسورة الحديد وبكل عزم ما فيه، لطش الراجل في ركبته لطشة خليت عضمه يتشيرخ في الضلمة.
الراجل صرخ صرخة مكتومة: “آآآه.. يا ولاد الـ…” ووقع على الأرض، والموبايل طار من إيده.
إبراهيم مضايرش وقت، حدف نفسه فوق الراجل وفضل كاتم بقه بإيد، وبالإيد التانية نزل بالماسورة على دماغه لحد ما الراجل غاب عن الوعي تماماً وجسمه ارخى.
شادية كانت كاتمة بق صلاح اللي صحي مفزوع ودموعه نازلة من الرعب. إبراهيم وقف وهو بينهج ونفسه خارج زي النار، خد موبايل الراجل والمطواة بتاعته، وبص لـ شادية وقال لها بصوت فحيح واطي: “مفيش وقت.. الراجل ده مكنش لوحده برة، زمان الباقيين جايين على صوته.. لازم نخرج من هنا حالا!”
شادية شاورت على منور صغير في آخر البدروم، متقفل بسلك حديد دايب: “المخرج من هناك يا إبراهيم، بيطلع على حارة ورا العمارة المهدودة دي، ميعرفهاش غير أهل المنطقة القدام.”
إبراهيم جرى على المنور، وبكل قوته زق السلك المصدي لحد ما اتخلع من الحيطة. شال صلاح وحدفه لبرة الأول، وبعدين رفع شادية اللي كانت بتعرج وبتتأوه من الوجع، ونط وراهم.
لقوا نفسهم في حارة ضيقة جداً وضلمة، مفيهاش صريخ ابن يومين، وريحتها تراب ورطوبة. شادية سندت على كتف إبراهيم وبقت تجر رجلها بالعافية، وصلاح ماسك في جلابية أبوه وهو بيترعش ويقول: “بابا.. أنا خايف.. هما هيموتونا؟”
إبراهيم داس على إيد ابنه وقال له بقلب حديد: “طول ما أنا فيا النفس، محدش هيلمس شعرة منكم يا بني.. جمد قلبك، أنت راجل.”
فضلوا يمشوا في المتاهة دي لحد ما طلعوا على شارع رئيسي تاني، بس بعيد عن المنطقة الأولانية. إبراهيم وقف تاكسي بسرعة وركبوا ورا. السواق بص لهم في المراية بستغراب؛ لبسهم متبهدل، ووشوشهم عليها تراب وعرق، وشادية شكلها يصعب على الكافر.
السواق سأل بشك: “على فين يا فندم؟”
إبراهيم فكر في ثانية… لو رجع بيته في السيدة زينب، رجالة الباشا زمانهم مستنيينه هناك، ولو وداها مستشفى حكومي، الباشا نفوذه واصل وهيجيبهم في ثواني.
إبراهيم بص للسواق وقال له بثقة: “اطلع بينا على المنيب يا اسطى، عند مجمع المواقف.”
في الطريق، إبراهيم فتح موبايل الراجل اللي معاه، ولقى رسائل وتساب مبعوتة من رقم متسجل باسم (الكوماندا)، وآخر رسالة مبعوتة من خمس دقائق مكتوب فيها: *(لو لقيت البت خلص عليها وعلى اللي معاها وادفنهم في البدروم، الباشا مش عايز شوشرة الليلة عشان انتخابات الحزب بكرة).*
إبراهيم قفل الموبايل وإيده بتترعش من الغضب. بص لـ شادية وقال لها: “إحنا مش هنرجع البيت يا شادية.. إحنا خارجين برة القاهرة كلها. هنروح لبلدنا في الصعيد، هناك أهلي وناسي وناسك، وهناك الموت نفسه ميعرفش يدخل بيت من بيوتنا ولا يمسك حد في حمايتنا.”
شادية هزت راسها ودموعها نازلة: “بس الباشا واصل يا إبراهيم.. ده نفوذه يهد جبال.”
إبراهيم ابتسم بمرارة وبص للمطواة اللي في جيبه: “ونفوذ الصعيد يهد الباشا واللي مشغله.. تلات سنين كدب وعذاب هيدفع تمنهم غالي أوي.”
التاكسي وصل الموقف، وإبراهيم نزل ونزل عيلته وهو بيلف عينه في كل مكان زي الصقر، وراحوا ناحية ميكروباصات (سوهاج)…
لكن قبل ما يركبوا، إبراهيم لمح راجل واقف بعيد على كشك سجاير، حاطط إيده في جيبه، وعينه مثبتة عليهم، وطلع موبايله وبدأ يتكلم وهو بيبص لـ إبراهيم مباشرة!
هل هيلحقوا يركبوا ويهربوا للصعيد؟ ولا النفوذ واصل للموقف قبلهم؟

