ابني ضرب مراته حكايات انجي الخطيب

كنت راجعة من السوق وبفتح باب الشقة شميت ريحة شياط جامدة جاية من المطبخ دخلت أجري أشوف في إيه..
لاقيت ابني ماسك مراته الحامل من شعرها ومكتفها ومولع عين البوتجاز وبيحرق شعرها على النار..
ابني الوحيد للأسف جاحد حتى عليا ربيته ودفنت نفسي وشبابي عشانه كنت بحرم نفسي من كل حاجة عشانه علمته أحسن تعليم وخليته مهندس قولت لما يشتغل هيشيل عني المسؤولية ويريحني من الشقى اللي شقيته طول عمري عشانه لاقيته أول ما اشتغل كان بيروح يجيب لبس لنفسه غالي وميفكرش يساعدني في البيت بأي حاجة وكان يقولي أصل شغلي محتاج مظاهر معلش استحمليني يا ماما وياريت على أد كدا دا كان كل شهر ياخد مني فلوس يقولي أصل المرتب مش مكفي وهو ماشاء الله مرتبه كويس 3 أضعاف مرتبي من شغلي..
كنت أقوله ربنا يرزقك يا ابني وأسكت
وفي يوم لاقيته جاي يقولي إنه في زميلة له في الشغل عايز يخطبها وإن فلوسه يادوب معاه فلوس الشبكة وعايز يتجوز معايا في نفس الشقة مؤقتا لحد ما يجيب شقة تانية وبحجة إنه يراعيني أنا متأخرتش عنه وقولتله يا حبيبي أنا أهم حاجة عندي أشوفك مبسوط الشقة كدا كدا لما أموت هتبقى بتاعتك واعتبرني ضيفة عندك..
#انجي_الخطيب
وفعلا عدت الأيام ووضب الشقة وساعدتة فيها واتجوز زميلته مهندسة وبنت أصول والشهادة لله كانت بتحبني وبتعاملني كويس بس هو دايما كان بيتخانق معاها في البداية مكنتش بدخل بينهم وبقول مسيرهم هيتصافوا خليني بعيد..
لحد ما بقيت ألاقيه بيضربها بقيت أحوش عنها وللأسف مكنش بيكبر ليا وأنا ست كبيرة مبقتش أقدر أوقفه ولا هو بقي بيسمع كلامي وكل دا عشان عايز ياخد مرتبها كل شهر مع إني بحط مرتبي كل شهر في البيت يادوب باخد منه بس تمن علاجي والباقي بحطه كله في البيت بس هو كان مصمم على اللي في دماغه..
ولما مراته قالتله هقعد في البيت عشان حصل حمل قالها لا إحنا أولى بكل قرش الولادة والعيل اللي جاي محتاج مصاريف ومرضيش يخليها تقعد في البيت عشان حامل..
كان بيجي عليها وهي كانت بنت أصول مستحملة وأنا كنت بطيب بخاطرها وأقولها حقك عليا أنا والله هو طيب بس معرفش إيه اللي غيره كدا..
لحد ما في يوم قولتلها أنتي تعبانة والحمل بقي تعابك اكتر خليكي أنتي وأنا هروح أجيب طلبات البيت من السوق…
نزلت روحت السوق ولما رجعت وبفتح باب الشقة شميت ريحة شياط جامد جاي من المطبخ
رجلي تقلت في الأرض، قلبي دق دقة واحدة قوية لدرجة إني حسيت بوجع في صدري. وقفت مكاني، مش قادرة أصدق اللي عيني شايفاه. ابني، “حته مني”، اللي سهرت الليالي عشان يوصل للي هو فيه، واقف في المطبخ ببرود أعصاب زي التلج، وماسك خصلات شعر مراته المنهارة في إيد، والتانية بيقربها من نار البوتجاز اللي طالعة لفوق.
#انجي_الخطيب
زعقت بكل قوتي، صوتي طلع مبحوح ومكسور:
“أنت بتعمل إيه يا مجنون؟! سيبها يا ابن بطني، أنت اتجننت رسمي؟!”
لف لي ببطء شديد، الوش اللي كنت بشوف فيه البراءة، دلوقتي ملامحه اتغيرت، كأن حد تاني مش هو . ابتسامة صفراء مريبة اترسمت على شفايفه، مفيش فيها أي ندم، ولا خوف من اللي عمله، ولا حتى كسوف مني. ساب شعرها وفلتت من إيده زي القطة المذعورة، استخبت ورايا وهي بترتعش.
قرب مني خطوة، ريحة شياط الشعر لسه مالية المكان وقال..
“ماما.. ملكيش دعوة أنتي هاتيها وابعدي” ومد إيده بياخدها وهي مستخبية ورايا بكل قدر وجبروت..
بصيت له بصدمة وشديت البنت من إيده، ولسه ببعد إيده عنها
مسك وشي بإيده التانية، و….
حكايات انجى الخطيب
مسك وشي بإيده التانية وضغط على فكي بقوة لدرجة إني حسيت بعضمي هيتكسر، صرخة مكتومة طلعت مني والدموع جرت على خدي، بص في عيني بنظرة خالية من أي ذرة رحمة وقال بصوت واطي ومسموم: “أنتي اللي ربيتي الدلع ده يا ماما، وأنتي اللي عودتيها ترفع راسها قدامي وتفتح بقها بكلمة لا، البنت دي لو مسمعتش الكلام من أول وجديد، أنا هحرقها هي والي في بطنها وأحرق البيت ده فوق دماغكم.. ادخلي جوه يا مراتي المحترمة أخلص كلمتين مع أمي وأجيلك” زقني لورا بكل قوته لدرجة إني اتخبطت في الطرابيزة ووقعت على الأرض، ومراته بتعيط بصوت واطي ومخنوق من الرعب، قمت بالعافية وأنا بسند على ظهري وببص له وبسأل نفسي هو ده ابني؟ ده الوحش اللي طلع من قلبي؟ قمت وقفت ووقفت قصاده بكل ما فيا من قوة رغم وجعي وقلت له بصوت مرعوش بس حازم: “أنت فاكر إنك راجل لما تعمل كدا؟ أنت فاكر إن دي الرجولة؟ الرجولة إنك تحميها وتصونها، مش تكسرها وتذلها، أنت مريض يا ابني، ومحتاج علاج، ومحتاج فوقان قبل ما ربنا ينتقم منك في أعز ما تملك” ضحك ضحكة عالية ومستفزة وشد مراته من دراعها تاني بعنف وقال: “رجولة إيه اللي بتتكلمي عنها؟ أنا اللي شقيان، أنا اللي بلف الدنيا عشان القرش، وهي قاعدة في التكييف ومفكرة إنها هتاخد فلوسي وتدلع نفسها، لا يا ماما، هنا أنا اللي بحدد مين يفضل ومين يمشي، ومين يغلط ومين يتحاسب” سحبتها من إيده بكل قوتي ووقفت بينهم زي السد المنيع وقلت له: “والله ما هتدوس لها على طرف تاني، لو عايز تأذيها، اخلص عليا أنا الأول، أنا اللي شيلت عنك الحمل كله، وأنا اللي استحملت طمعك، بس تمد إيدك على واحدة حامل وجواها حتة من ريحتك؟ يبقى لا أنت ابني ولا أعرفك” بص لي للحظة وسكت، ملامحه اتجمدت، حسيت إن كلمتي لمست حتة جوه شيطانه، ساب دراعها واتراجع لورا خطوتين وهو بيمسح وشه بإيده بعصبية وقال: “ماشي يا ماما، ماشي، خليكي في صفها، بس بكرة تندمي لما تلاقي الدنيا كلها بقت ضدي وضدك، ادخلي يا هانم جوه وادخلي يا ماما شوفي اللي وراكي، ومحدش فيكم يخرج من الأوضة دي لحد ما أهدى، وإلا هتشوفوا وش أنا نفسي مكنتش أتخيل إني أطلعه” دخل الأوضة وخبط الباب ورايا بكل قوته، صوت الخبطة هز كيان البيت وهز قلبي، بصيت لمراته اللي كانت بتقع من طولها، شلتها ودخلتها أوضتي وأنا بحاول أهديها وأنا من جوه متدمرة، قعدت جنبها وبصيت للسقف وبدأت أحس إن كل اللي بنيته، وكل السنين اللي ضيعتها عشان أخلق إنسان، اتبخرت في لحظة، بقيت قاعدة في بيتي “ضيفة” ومحبوسة في أوضتي، مستنية المجهول، وبتساءل: إمتى ابني بقى غريب كدا؟ وإمتى هيرجع تاني لحضني، ولا خلاص، ضاع مني للأبد؟
……
قعدت جنبها على السرير، قلبي بيتقطع وهي بتترعش في حضني زي العصفورة المذبوحة، بتمسح دموعها بضعف وبتبص لي بنظرة انكسار خلتني أحس إني أصغر ست في الدنيا. همست في ودنها بصوت مبحوح: “اهدي يا بنتي، اهدي عشان اللي في بطنك، أنا جنبك ومش هسيبه يلمسك تاني طول ما أنا فيا نفس”.
​الهدوء اللي بره كان أخطر من الخناقة نفسها. الصمت كان تقيل، بيخنق، كأن البيت حبس أنفاسه مستني الكارثة اللي جاية. فجأة، سمعت صوت حركة في الصالة، تقيل وبطيء، صوت خطواته وهي بتدب في الأرض. وقف قدام باب الأوضة، مسكت إيد مراته بقوة، وضوافري غرزت في إيديها من كتر الخوف.
​مسمعتش صوت خبط، سمعت صوت “تكة” المفتاح وهو بيلف في قفل الباب من بره.. حبسنا!
​صرخت بلهفة: “أنت بتعمل إيه يا واد؟ افتح الباب ده فوراً! أنت اتجننت رسمى؟!”
​مردش عليا، سمعت صوته من ورا الباب، بارد وجامد زي التلج: “خلوكم جوه بقى، فكروا في اللي جاي، وفكروا إزاي كنتوا بتخططوا تسرقوا شقايا.. لما أعرف هعمل فيكم إيه هفتح، لحد وقتها.. محدش يخرج”.
​سمعت صوت خطواته وهو بيبعد، صوت باب الشقة بيتفتح وبيترزع وراه بقوة هزت الحيطان. سكت البيت تماماً، مفيش غير صوت أنفاسنا المتلاحقة في الضلمة. بصيت للبلكونة، الدور التالت.. مفيش مفر. بصيت للموبايل على الكومودينو، مفيش شبكة، كأن البيت ده بقى سجن معزول عن العالم.
​البنت اللي جنبي بدأت تصرخ مكتوم: “يا ماما.. أنا بطني.. بطني بتوجعني أوي يا ماما”.
​بصيت لبطنها ولقيت بقعة ميه بدأت تظهر تحتها على الملاية.. النزيف أو الميه بدأت تنزل، والولادة بدأت في وقت غلط، في مكان غلط، ومع ابن فقد آدميته. وقفت في نص الأوضة، الدموع حرقت عيني، بس جوه مني نار تانية خالص ولعت. مكنش قدامي غير حل واحد، لازم أخرج من هنا، لازم أنقذ مراته والحفيد اللي لسه مشفتوش، حتى لو هضحي بآخر كرامة ليا عنده.
​بدأت أزق الدولاب بكل قوتي، صوت الخشب وهو بيتحك في الأرض كان بيطلع صوت زي الصرخة، حركته بدموعي وعرقي لحد ما سديت بيه الباب، وجريت على الشباك اللي بيطل على الشارع.. طلعت نص جسمي وصرخت بكل ما أوتيت من قوة: “يا ناس! إلحقونا! حد يبلغ البوليس! ابني ساجننا وبيموت مراته!”
​صوتي كان بيتردد في الشارع الفاضي، ومحدش سامع، لحد ما شفت عربية ماشية ببطء تحت، بصيت للراجل اللي سايق، وبدأت أرمي كل اللي أقدر عليه من الشباك عشان ألفت نظره. شفته وقف، نزل من العربية وبص لفوق، صرخت فيه: “ابني.. ابني مريض.. اطلب النجدة!”
​في اللحظة دي، سمعت صوت مفتاح في باب الشقة.. رجع. رجع قبل ما يلحقوا يوصلوا، ورجله خبطت الباب المقفول بالدولاب، وصوته جه من بره زي زئير وحش مفترس: “أنتي بتطلبي البوليس يا أمي؟ ماشي.. يبقى اللي جاي ده أنتي اللي اختارتيه”.
……
صوت خبطات إيده على الباب بقت زي دقات الطبول في ودني، كل خبطة بتهز كياني وبتخلي الدولاب اللي ساندة بيه يتحرك ملي مترات. البنت جنبي بتصرخ من الوجع وبتتلوى على السرير، وشها أصفر زي الملاية، وأنا واقفة ورا الباب، ممسكة بمقبض الباب بإيدي، وبقوي قلبي بإيدي التانية اللي بتترعش.
​”افتحي يا ماما! افتحي وإلا هكسر الباب ده على دماغكم أنتم الاتنين!”
​صوته مكنش صوت ابني اللي كنت بضمه في حضني وأنا بحكيله حواديت قبل النوم، ده كان صوت حد تاني خالص، شيطان لبس لبس ابني. استجمعت شجاعتي، وصرخت فيه بصوت أقوى من خبطاته: “أنا مش هفتح يا ابني! لو عايز تدخل، اكسر الباب، بس اعرف إن اللي هتشوفه جوه دلوقتي ممكن يخليك تندم طول عمرك.. مراتك بتموت يا عديم الضمير، ابنك اللي جاي ده بيصارع الموت بسبب جبروتك!”
​سكت فجأة. الصمت اللي جه بعد كلمتي كان أخطر من الخبط. سمعت صوت أنفاسه المكتومة بره، وبعد ثواني، سمعت صوت “طرقعة” خشب الباب وهو بيشرخ من كتر الضغط.
​في اللحظة دي، بصيت لمراته، لقيتها مغمى عليها، والنزيف مالي المكان. حطيت إيدي على بوقي عشان مكتومش صرخة الرعب اللي طالعة مني، وجريت على الشباك تاني، لقيت الراجل اللي كنت بندهله واقف تحت ومعاه اتنين تانين، والناس بدأت تتجمع في الشارع وبصين لفوق.
​صوت “طاخ” مدوية! الباب اتشرخ أكتر، وشفت عين ابني بتبص من الفتحة اللي اتعملت، عين مليانة جنون وكره ملوش مبرر. بص لي وقال بصوت واطي ومخيف: “عايزة تطلبي النجسة؟ طيب يا ماما.. أنا اللي هخلص كل حاجة النهاردة”.
​بدأ يضرب الباب بكتفه بكل قوته، الدولاب بدأ يترحل. مكنش قدامي غير حل واحد، جريت على المطبخ، مسكت سك*ينة كبيرة من الدرج، مش عشان أضربه، لأ.. عشان أهدده بيها وأمنعه يقرب من مراته لحد ما الإسعاف توصل. رجعت وقفت قدام الباب، وأول ما الباب اتخلع من مفصلاته ووقع الدولاب، دخل زي الإعصار، وشايف في إيده هو كمان آلة حادة..
​بصيت له بكل ثبات رغم الرعشة اللي في جسمي: “ابعد عنها.. لو عايز دم، خده مني أنا، أنا اللي ربيتك، أنا اللي دفعت تمن حياتك، بس سيب البنت اللي في ذمتك دي تعيش”.
​بص للسك*ينة في إيدي، وبص لمراته اللي مرمية على الأرض، وضحك ضحكة باردة خلت الدم يجمد في عروقي، وفجأة، سمعت صوت دبدبة على السلم، صوت “بوليس!” جه زي طوق النجاة. ابني اتجمد في مكانه، وبص للباب اللي بدأ يتدك في اللحظة دي بقوة الناس والشرطة اللي كسروا باب الشقة الرئيسي.
​بص لي بآخر نظرة، نظرة فيها تيه وحيرة، كأنه فاق للحظة من السحر الأسود اللي كان عايش فيه، ورما السك*ينة من إيده ووقع على ركبه في نص الصالة، وأنا وقعت جنبه، مش قادرة أتحرك، مش قادرة أصدق إن ده ابني، ولا قادرة أستوعب إن دي نهاية سنين الشقا. الإسعاف دخلت، والبوليس قبض عليه، وأنا كنت قاعدة بضم مراته اللي بدأت تفتح عينيها بضعف، وببص لابني وهو خارج بالكلبشات في إيده، من غير ما ينطق ولا كلمة، ومن غير ما يبص لي حتى، وكأن الخيط اللي كان رابطني بيه اتقطع خلاص، ومش باقي منه غير ذكريات وجع، وبيت مكسور.
……
الباب اتقفل وراهم، البيت بقى هادي لدرجة مرعبة، صوت سرينة الإسعاف بدأ يبعد في الشارع، والناس اللي كانت متجمعة تحت صوتها بدأ يختفي. قعدت على الأرض في الصالة، وسط كسر الخشب وحتت القماش المحروق، وإيدي بتترعش بطريقة مش قادرة أسيطر عليها. مراته، “بنت الأصول” زي ما كنت بسميها، كانت في المستشفى، والنبض اللي جواها لسه بيصارع عشان يكمل، أما أنا.. أنا اللي بقيت مكسورة ومحطمة.
​عدت ساعات كأنها سنين، لقيت نفسي واقفة قدام أوضته، الباب مخلوع، والأوضة متبهدلة. دخلت، شميت ريحة برفانه اللي كان بيحب يغرق نفسه فيه، ريحة كانت زمان بتطمني وبتخليني أحس إني خلفت راجل، دلوقتي بقت بتخنقني. فتحت درج المكتب، لقيت صورة لينا سوا وهو صغير، كان حاضني ومبتسم، الصورة دي وجعت قلبي أكتر من صرخته وهو بيتحبس.
​تليفوني رن، كان رقم من المستشفى، رديت بسرعة وبصوتي المبحوح: “أيوة؟ حصل إيه؟”
صوت الممرضة كان هادي ومطمن: “البقاء لله في الجنين يا حاجة، هي نزفت كتير والبيبي مكنش فيه نصيب.. بس هي الحمد لله استقرت، وعدت مرحلة الخطر، تقدري تيجي تطمني عليها”.
​وقعت السماعة من إيدي، مكنتش عارفة أعيط على الجنين اللي مات، ولا على اللي فاضل من ابني اللي هيضيع في السجون، ولا على السنين اللي ضيعتها في تربية “شيطان”. قمت وقفت بصعوبة، لبست طرحتي وخرجت من البيت، قفلت الباب ورايا بمفتاحين، كأني بقفل على صفحة سوداء في حياتي، صفحة اتكتبت بدموعي ودموع ضحيتي.
​وصلت المستشفى، دخلت الأوضة، لقيتها قاعدة، وشها شاحب، أول ما شافتني، مكلمتنيش، بصت لي بنظرة عتاب وكسر، نظرة كانت بتقولي: “ليه يا ماما؟ ليه سيبتيني أوصل للمرحلة دي؟” مسكت إيديها، وبستها، ودموعي نزلت بمرارة: “حقك عليا يا بنتي، أنا اللي كنت عميانه، أنا اللي بنيت فوق أكتافي كبريائه اللي دمرنا، أنا اللي كنت فاكرة إني بربي راجل، وطلعت بربي جلاد”.
​بصت لي بنبرة مكسورة وقالت: “أنا مش هكمل يا ماما، أنا خلاص مش قادرة.. أنا هطلب الطلاق، ومش هقدر أبص في وشه تاني”. هزيت راسي بالموافقة، مكنش عندي كلام يدافع عنه، ولا مبرر يغسل إيده من دمي ودم ابنها.
​أيام كتير عدت، التحقيقات خلصت، ومحاكمات، ووجع قلب ما يخلصش. أنا بقيت لوحدي في الشقة، الشقة اللي كانت مليانة ضحك وخطط للمستقبل، بقت مقبرة للذكريات. كل ما أسمع خبطة على الباب، قلبي بينتفض، فاكرة إنه رجع، بس الحقيقة إنه مش هيرجع، لا هو هيرجع ابني اللي أعرفه، ولا أنا هقدر أرجع الأم اللي كانت بتضحي بكل حاجة عشان “ابنها الوحيد”.
​بقيت دلوقتي ست عجوزة، قاعدة في أوضتي، بدعي ربنا يغفر لي على تربيتي اللي مكانتش في محلها، وببص في المراية، بلاقي وشي عجز أكتر من سني، وبعرف إن أغلى درس اتعلمته في حياتي، إن الحب الزيادة عن اللزوم، اللي بيعمي الأم عن عيوب ابنها، هو نفسه اللي بيحفر له قبره قبل ما يحفر قبرها.. وإن الحنية اللي مفيش وراها حزم، بتطلع وحوش، مش بشر.
……..
مرت شهور، والشقة اللي كانت شاهدة على كل لحظة وجع، بقت أهدا بكتير، بس السكون ده كان وراه صوت ضميري اللي مبيسكتش. مراته، “بنت الأصول”، رجعت لحياتها وبدأت صفحة جديدة، طلقتها منه كانت أول خطوة في طريق تعافيها، وأنا فضلت في مكاني، بحاول ألملم شتات روحي.
​في يوم، جالي جواب من السجن. إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه، خايفة من الكلمات اللي ممكن ألاقيها، هل هيكون اعتذار؟ ولا لسه في قلبه نفس الكبر والغل؟ بدأت أقرأ الخطوط المهزوزة: “ماما.. أنا مش بكتب عشان أطلب منك تسامحيني، لأني عارف إن اللي عملته ميتغفرش. أنا بكتب عشان أقولك إني أخيراً بدأت أشوف الوش الحقيقي اللي كنت بهرب منه، وبدأت أشوف الجبروت اللي كنت فاكره رجولة.. السجن ضيق، بس الدنيا بره كانت أضيق بكتير بسبب طمعي اللي أكل قلبي. أنا مش بطلب منك تيجي، ولا بطلب منك تنتظريني.. أنا بس عايزك تعرفي إن أول مرة فقت فيها كانت لما شوفتك أنتي والسك*ينة في إيدك.. شوفت في عينك وقتها انكسار الأم اللي ضيعت عمرها، وشوفت في وشك الندم اللي كنت أنا السبب فيه.”
​طويت الجواب، ودمعة يتيمة نزلت على إيدي، مكنتش دموع وجع ولا ندم، كانت دمعة تسليم. قمت وقفت، فتحت الشباك اللي كنت بنده منه للناس عشان يلحقونا، وبصيت للسما. مفيش رجوع للي فات، والندم مش هيرجع اللي راح، لا البيت هيرجع يتدفى، ولا “الحتة اللي مني” هيرجع ابني اللي حلمت بيه.
​بقيت بقضي وقتي كله في الجمعيات الخيرية، بساعد الناس اللي زيني، بوعي الأمهات إن الحب مش يعني “الاستعباد”، وإن الأمومة هي تربية إنسان سوي، مش صناعة عبد للمادة. بقيت بشوف ابني في كل شاب محتاج توجيه، وبحاول أصلح اللي أفسدته بسنين من التدليل الأعمى.
​أحياناً، وأنا قاعدة بالليل، بسمع صوت مفتاح في الباب، بتهز وبروح أجري، بس برجع أقف مكاني لما بفتكر إن اللي ورا الباب مبيجيش.. وبفهم وقتها إن ده جزائي، وإن أعظم ابتلاء للأم هو إنها تشوف ثمرة زرعتها بإيدها بتطلع شوك بتجرحها هي قبل غيرها.
​أنا النهاردة ست عجوزة، قلبي مليان رضا بقضاء ربنا، وراضية بالوحدة اللي اخترتها، بس متأكدة من حاجة واحدة.. إن الحكاية دي مش نهايتها سجن أو طلاق، نهايتها درس قاسي لكل أم: “ارحمي ابنك من دلالك، عشان يحترمك ويحترم نفسه.. والرجولة مش بالفلوس ولا بالسطوة، الرجولة بالمواقف، والأخلاق اللي بتفضل باقية لما كل حاجة تانية تروح.”
​قفلت النور، واستسلمت للنوم، ولأول مرة من شهور، محلمتش بكوابيس.. حلمت بوشوش حلوة، وشوش ناس قدرت أساعدهم، وبدأت أحس إن روحي، اللي اتكسرت في المطبخ يوم ما ولعت النار في شعر مراته، بدأت أخيراً تلملم نفسها وتعرف إن الحياة، رغم قسوتها، لسه فيها فسحة للأمل.. ولو بسيط.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *