رجعت من الم.وت ج2 .#حكايات_شروق_خالد

ركبت التاكسي وراجعة الشقة. طول الطريق ماكانش في دماغي غير صورة واحدة: وشه وهو بيقولي “وطي صوتك”. كان خايف من الفضيحة، ماكانش خايف إنه كسرني.
أول ما فتحت باب الشقة، الريحة اللي كنت بشوفها “دفء البيت” بقت تخنقني. شقة العمر اللي شقينا عشان نجيبها ونفرشها حتة حتة. ودلوقتي اكتشفت إن الشقة دي بالنسبة له كانت مجرد محطة، أو يمكن المكان اللي بييجي يمثل فيه دور “الزوج المخلص” عشان يغطي على بلاويه بره.
دخلت الأوضة، طلعت شنطة سفر كبيرة من فوق الدولاب. ما عيطتش، الغل كان حارق أي دمعة. بدأت ألم هدومه… هدوم الدكتور المحترم. بدأت أفتش في جيوب البدلات، وفي درج المكاتب اللي كان دايماً مقفول بمفتاح وقولت لنفسي وقتها “خصوصية شغله”.
كسرت الدرج بالمفك.
واللي لقيته جوا الدرج كان أوسخ بكتير من اللي تخيلته.
دفتر شيكات باسمه وباسم “ريتشيل”، عقود شقة جديدة متأجرة باسمهم في حي راقي، وكارت ميموري صغير.
حطيت الكارت في اللابتوب وأنا إيدي ثابته زي الحجر. كان عليه تسجيلات وصور. صور ليهم في خطوبتهم، صور وهو قاعد مع أهلها بيقرا الفاتحة، والأبشع… تسجيلات بصوته وهو بيكلمها ويحكيلها عن “مراته المرحومة”. كان بيألف قصة درامية كاملة! كان بيقولها إن “كلير” ماتت وهي بتصارع المرض، وإن آخر أمنية ليها كانت إن دانيال يكمل حياته وما يعيشش لوحده!
استغل اسمي وموتي الفبرك عشان يبان قدامهم البطل المخلص الحزين اللي بيحاول يبدأ من جديد!
فجأة، الباب اتفتح.
دخل دانيال. وشه كان أصفر، هدومه مبهدلة، وداخل يجري وهو فاكر إنه هيلاقيني بكي وبتحايل عليه يفهمني. بس لما شافني واقفة جنب الدرج المكسور واللابتوب مفتوح قدامي، خطواته تقلت.
“كلير…” قالها بصوت بيترعش وهو بيقفل الباب وراه. “أنا عارف إنك مصدومة… بس أرجوكي اديني فرصة أشرحلك. والله العظيم أنا بحبك أنتِ، اللي حصل ده كان غلطة… دوامة ودخلت فيها ومش عارف أطلع منها!”
بصيتله بمنتهى البرود، وقفت وربعت إيدي: “غلطة؟ الغلطة دي إنك تشتري حاجة غلط، إنما تبني حياة كاملة على موتي، وتقرا الفاتحة مع أهل ست تانية، وتدفع مقدم شقة جديدة من فلوس حسابنا المشترك… دي مش غلطة يا دانيال. ده تدبير مع سبق الإصرار والترصد.”
قرب مني وهو بيحاول يمسك إيدي: “أنا هنهي كل حاجة مع ريتشيل! هقولها إني مش قادر أكمل، هختفي من حياتها، والفلوس هترجع… والله العظيم هترجع! بس بلاش تهدي بيتنا يا كلير، احنا بقالنا حداشر سنة مع بعض!”
ضحكت. ضحكة عالية ومريرة رنت في الصالة.
“بيتنا؟ أنت هديت البيت ده من ست شهور لما قريت الفاتحة بره. وبعدين تنهي إيه؟ أنتم متجوزين عرفي ولا مكتوب كتابكم؟ الشيكات دي بتقول إنك كاتب عليها!”
سكت. وشه اتغير ومردش.
“يعني متجوزها رسمياً أو عرفياً بسبل تدليس،” كملت وأنا ببتسم. “عارف ده معناه إيه؟ معناه التزوير، والنصب، وخيانة الأمانة… وغير بقى موقفك في الكلية لما المحاضر المحترم يتقبض عليه في ق.ضية الجمع بين زوجتين وتزوير أوراق رسمية.”
دانيال ملامح وشه اتغيرت تماماً في ثانية. التحول المرعب. الخضوع والرجاء اختفوا، وظهر مكانهم الجشع والشر.
قرب مني بخطوات سريعة وزعق: “أنتِ فاكرة نفسك مين؟! فاكرة إنك هتقدر تقفي قدامي؟ أنتِ حتة ست لا راحت ولا جت، الفلوس اللي في الحساب أنا اللي عاملها بشغلي، والاسم اللي بره ده اسمي أنا! لو فتحتي بقك بحرف واحد، هخليكي تطلعي من الشقة دي بالهدوم اللي عليكِ، ومش هتعرفي تاخدي مني المليم!”
مسكني من دراعي بقوة وهو بيجز على سنانه: “الورق ده واللابتوب ده مش هيخرجوا من هنا. وأنتِ هتقعدي هنا لحد ما أهدا وأعرف هتصرف معاكي إزاي.”
في اللحظة دي، دانيال نسي حاجة مهمة أوي.
نسي إن الست اللي حست إنها اتمسحت من الدنيا، ما بقاش عندها حاجة تخاف عليها.
بصيت لإيده اللي ماسكة دراعي، وبعدين بصيت في عينيه وقلتله بكل ثبات: “أنت فاكر إنني جيت الشقة هنا لوحدي؟”
بصلي باستغراب وهو مش فاهم.
صوت سرينة بوليس بدأت تعلى في الشارع تحت العمارة… وتوقفت بالظبط قدام مدخل العمارة بتاعنا.
#حكايات_شروق_خالددانيال برّش مكان، وعينيه اتسعت من الصدمة. مسكته لدراعي خفت بالتدريج لحد ما سابني خالص.
“أنتِ… أنتِ عملتي إيه؟” قالها وصوته طالع بالكتير بالعافية.
“أنا أطول حاجة عملتها في التاكسي وأنا راجعة، كانت مكالمة لخالي،” قلتها وأنا بلم اللابتوب وبحطه في شنطتي بمنتهى الهدوء. “خالي المستشار… فاكره؟ اللي أنت كنت دايماً بتقول عليه مثلك الأعلى؟ كلمته وحكيتله كل حاجة، وبعتله صور العقود والتسجيلات من الموبايل قبل ما أوصل هنا بمسافة. وهو بنفسه اللي بلغ النيابة والشرطة عن واقعة التزوير والنصب والجمع بين زوجتين بأوراق مزورة.”
خبطتين تقال ورن جرس الباب بقوة هزت المكان.
دانيال رجع لورا خطوتين، وشه بقى شبه الميتين، جفاف تام في حلقه. “كلير… بلاش! دي فضيحة! هتفضحي جوزك؟ هتضيعي مستقبلي عشان نزوة؟!”
“نزوة؟!” صرخت فيها لأول مرة من ساعتها، بس بصوت مكتوم مليان غل: “أنت كتبت الفاتحة وعشت حياة كاملة على جثتي وقليت بيا، وتقولي نزوة؟! أنت اللي وضعت نفسك في الحفرة دي يا دانيال… وأنا بس هسيبك تدفن فيها.”
مشيت ناحية الباب وفتحته. كان واقف ظابط ومعه اثنين أمناء شرطة وخالي واقف وراهم، وشه كان جايب ألوان من الغضب من اللي سمعه.
الظابط بصلي: “حضرتك الأستاذة كلير؟”
“أيوه يا فندم.”
“دكتور دانيال موجود جوه؟”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *