سند في زحمه رمسيس الجزء الاول حكايات شروق خالد

المترو كان زحمة ومخنوق، وأمل خلاص حيلها اتهد من التعب والجوع، لدرجة إن عينيها زغللت وجسمها ساب تماماً وهي نازلة في محطة رمسيس. لولا إيد قوية لحقتها وشلتها قبل ما تقع على الأرض، كانت راحت فيها.
فتحت عينيها بتعب، لقت نفسها ساندة على بالطو أسود غالي، وصوت رجولي وقور بيهمس جنب ودنها:
* “امسكي نفسك.. أنا معاكي، متخافيش.”
الناس في المترو بدأت تبص بفضول، بس الراجل بربشة عين منه خلت الكل يدور وشه الناحية التانية. سحبها براحة وقعدها على الكرسي.
أمل وهي بتنهج وبتداري كم بالتوها:
* “أنا كويسة.. شكراً لحضرتك، أنا تمام.”
الراجل بصلها بنظرة كشفتها تماماً، وعينيه جت على الكارنيه المتعلق في رقبتها:
* “أمل الشناوي.. ممرضة في مستشفى الدمرداش.. وكويسة إزاي وأنتي بتموتي من طولك؟”
فجأة، كم الجاكيت بتاعها اترفع غصب عنها، وظهرت خمس صوابع زرقا معلّمين على دراعها. الراجل جسمه كله اتخشب، وعينيه اسودت من الغضب:
* “مين اللي عمل فيكي كده؟”
أمل شدت كمها بسرعة ورعب:
* “مفيش.. اتخبطت في الباب وأنا خارجة من الشفت.”
الراجل رد بصوت واطي يرعب:
* “باب بخمس صوابع؟ بتستغفليني؟”
في ثانية، اتنين رجالة لابسين لبس عادي وسط زحمة المترو قربوا ووقفوا ورا الراجل زي الحراس المدربين. أمل خافت أكتر لما لقت شنطتها بتهتز.. رامي بيتصل.
الراجل بصلها وقال:
* “ردي عليه.”
أمل برعب:
* “مش هينفع.. لو رديت وهو سامع دوشة هيقلب الدنيا.”
التليفون فصل ورن تاني فوراً. أمل كانت عارفة إنها لو مردتش، رامي هيتهمها بالخيانة، وهيتبلى عليها، ولما تروح شقتهم في فيصل هيطلع عليها القديم والجديد. فتحت الخط وإيدها بترتعش.
رامي بزعيق وصوت جهوري:
* “أنتي فين يا هانم؟”
أمل بصوت متحشرج:
* “في المترو.. دخت شوية وتعبت.”
رامي:
* “تعبتي؟ أنتي متأخرة نص ساعة بحالها! اخلصي وارجعي البيت بدل ما أجي أجرّك وأديكي سبب بجد يخليكي تلبسي بكم طول السنة!”
الخط قطع. أمل كانت بتترعش والدموع في عينيها. الراجل اللي واقف قدامها كان سامع كل كلمة لأن صوت رامي كان عالي.
الراجل سألها ببرود قاتل:
* “اسمه إيه؟”
أمل بكسرة:
* “أرجوك.. أنت ميعرفش حاجة.. سيبني في حالي.”
الراجل مد إيده ليها وقال بنبرة مفيهاش فصال:
* “أنتي محتاجة تاكلي ومحتاجة دكتور يشوف دراعك ده.”
أمل:
* “أنا ممرضة ومش محتاجة حد.”
الراجل:
* “يبقى عارفة إن كلامي صح.. يلا بينا.”
أمل بصت لإيده وبصت للحراس:
* “أنت مين أصلاً؟”
واحد من الركاب اللي واقفين قمع الصوت تماماً ووطى راسه في الأرض لما سمع السؤال.
الراجل رد بثقة:
* “سليم السيوفي.”
الاسم نزل زي الصاعقة على المحطة كلها. الست العجوزة اللي قاعدة جنبها وشها جاب ألوان، والراجل اللي كان ماسك الجرنان قفله بالراحة من الخوف.
بعد دقايق، أمل لقت نفسها قاعدة في الكنبة الورانية لعربية مرسيدس سودا فخمة، وواحد من حراس سليم بيديها عصير وبسكوت، وبيتصل بدكتور خصوصي. مالحقتش تاخد بق عصير، وتليفونها نور برسالة.
رامي: “أنا عرفت أنك نزلتي في محطة غلط.. أنتي مع مين يا أمل؟”
وبعدها بثانية رسالة تانية: “قسماً بالله لو ما ظهرتي حالاً لاهربد الدنيا على دماغك.”
وش أمل بقى أبيض زي الورقة. سليم بصلها وقال:
* “مراقب تليفونك بالـ GPS.. صح؟”
قبل ما تنطق، باب العربية اتفتح فجأة برعب. رامي كان واقف برا في المطر، عينيه حمرا من الغل، وبمجرد ما شاف سليم قاعد جنبها، رسم ابتسامة صفرا خبيثة وقال بصوت ناعم قدام الحراس:
* “معلش يا باشا.. متأسف جداً على الإزعاج، مدام أمل خطيبتي بس بتعمل حركات وتتدلع لما بتجوع.. انزلي يا أمل.”
أمل اتجمدت في مكانها. رامي مد إيده جوة العربية ومسك دراعها المورم بظوافره وضغط عليه جامد:
* “قلتلك يلا بينا على البيت.. الحساب هناك.”
سليم بص على إيد رامي اللي ماسكة دراعها، وقال بنبرة هادية بس تخوف بلد:
* “شيل إيدك عنها.”
رامي ضحك باستخفاف:
* “وأنت مالك يا كابتن؟ دي خطيبتي وحاجتي، تتدخل بصفتك إيه؟”
سليم:
* “بقت تخصني من اللحظة اللي لمستها فيها وأنا واقف.”
الشارع كله هسس. رامي زود ضغطته على دراع أمل وهو فاكر إنها هتخاف وتسمع الكلام وتنزله زي كل مرة عشان تداري الفضيحة.
بس أمل المرة دي بصت لتليفونها. بقالها شهور بتسجل رامي وهو بيهددها وبيشتمها في الفويس نوتس وشايلاهم في فولدر سري، وعمرها ما جرؤت توريهم لحد خوفاً من إنه يتبلى عليها في المستشفى ويدمر شغلها.
سليم مأمرهاش بحاجة، بس بصلها بنظرة دعم خلتها تاخد القرار. أمل دامت بصباعها على كلمة “إرسال”، وبعتت الفولدر كله للرقم الآمن اللي حارس سليم سجلهولها من شوية.
تليفون رامي رن بإشعار وصول الملفات، والابتسامة اختفت من على وشه تماماً لما لقى التسجيلات بتتبعت لجهة تانية.
في نفس اللحظة، نزلت محامية سليم السيوفي من العربية التانية اللي كانت واقفة وراهم، ومعاها ملف مقفول. قربت من سليم وقالت وهي بتفتح الورق تحت نور عمود النور:
* “سليم بيه.. المحاضر والإثباتات جهزت. المحاسب ده اسمه رامي وجيه.. مش بس خطيب الآنسة، ده هو نفس الموظف اللي بنحقق معاه في الشركة بقالنا شهر بتهمة الاختلاس وسرقة حسابات العملاء.”
رامي ساب دراع أمل فجأة، وجسمه كله بدأ يترعش.
المحامية حطت كشف الحساب البنكي المزور على كبوت العربية. سليم بص للأرقام، وبعدين رفع عينيه الحادة وبص لرامي اللي وشه بقى زي الأموات وقال:
* “كنت فاكر نفسك ذكي وبتسرقني؟ وكمان بتمد إيدك على حاجتي؟”

