تحدي المليون جنيه الجزء الاول حكايات شروق خالد

في عز هيصة الفرح والأنوار العالية في القاعة، والناس بتشرب والضحك واصل لآخر الشارع، طلعت هانم من أصحاب الفرح، اسمها نيفين، متجوزة رجل أعمال تقيل وعليها شوية منظرة وكبرياء يهدوا جبل. بتمشي تتنطط ولابسة فستان فضي يساوي ثمن بيت كامل.
وقف وسط القاعة وقالت بصوت عالي وهي بتضحك باستخفاف: “لو البت الصغيرة دي رقصت أحسن مني، هديكم مليون جنيه كاش دلوقتي!”
المزيج اتصلب، والمعازيم المشروبات وقفت في أيديهم، والسكوت نزل على القاعة زي الصدمة.
البنت الصغيره دي كان اسمها جودي، عندها أربع سنين، قاعدة على جنب في أوضة الموظفين ورا المطبخ بتلون بكتيب رسم وبتمص العصير مع لعبتها الأرنب. أمها، شيماء، شغالين في القاعة بتنظف وترتب الترابيزات عشان تأكل بنتها بالحلال. شيماء بقالها سنتين شحطت في الحياة، من مسح بلاط لشيل أطباق، ومع ذلك، البت الصغيرة كانت دايماً دمها خفيف وبتتحرك مع أي نغمة شغالين بيها.
شيماء جيه جسمها يقشعر، وراحت بسرعة وقفت قدام نيفين وقالت بصوت مكسور بس فيه كبرياء: “يا نيفين هانم، أرجوكي بلاش الحركة دي، احنا ناس على باب الله وبنتفرج بس.”
نيفين ضحكت بصوت أعلى وبصت لشيماء من فوق لتحت: “أنا بتكلم جد، إنتي خايفة ولا عارفة إن بنتك مش هتعرف تعمل حاجة؟”
جوز نيفين، حازم، دخل وسط الزحمة ومسك إيدها وقال بضيق: “جرى إيه يا نيفين؟ البنت عندها أربع سنين! عيب اللي بتعمليه ده قدام الناس.”
نيفين نفضت إيده وقالت ببرود: “سيبني يا حازم، خليني أتسلى.. ولا إنتي يا شيماء خايفة على كرامتك؟”
الناس بدأت تطلع التليفونات وتصور، والتحدي بقى على عينك يا تاجر. شيماء بصت لجودي البنت الصغيرة، البت كانت باصة لأمها وابتسمت وبكل براءة قالت: “يا ماما، يلا نرقص زي ما بنعمل في البيت!”
شيماء كان بينها وبين نفسها شريط ذكريات مكسور.. الجواز القديم، الحمل، الطلاق، والبهدلة اللي شافتها. جودي ما اتعلمتش رقص في مدارس ولا أكاديميات، جودي كانت بترقص في الصالة الصغيرة بتاعة شقتهم لما شيماء تشغل تسجيلات زمان وتلف بيها وهي بتضحك عشان تنسى الهم.
شيماء بلعت ريقها وبصت لنيفين وقالت بثبات: “اتفضلي إنتي الأولي يا هانم.”
حازم اتنهد وقال: “أنا ضامن الكلام ده، اتفضلي يا نيفين.”
نيفين نزلت القاعة بدلع واستعراض، نفشت فستانها وعملت لفات درامية، والناس بدأت تسقف وتصوتلها. خلصت وهي فاكرة إن اللعبة انتهت خلاص، راحت وقفت قدام جودي ومطت إيدها ببتسامة غرور: “دورك يا شاطرة.”
قلب شيماء كان بيموت من الخوف، جودي سابت الأرنب في حضن أمها، ومشيت بخطوات صغيرة لوسط القاعة.
شيماء بصت لدي جي القاعة وقالتله بصوت خافت: “شغل أي حاجة فيها إيقاع بلدي تقيل ومزيكا صح.”
المزيكا بدأت تحضر.. واحد.. اتنين.. تلاتة..
جودي غمضت عينيها، وفي اللحظة دي شيماء اتفاجأت بحاجة خلّت ركبها تخبط في بعضها. الحركات اللي جودي كانت بتعملها في البيت بقالها ست شهور وتفتكرها لعب عيال.. ما كانتش لعب! دي كانت نفس الحركات والتفاصيل بتاعة رقصة قديمة أوي، رقصة محدش يعرفها غير عيلة شيماء، رقصة أم شيماء الله يرحمها اللي كانت معلماهالها قبل ما تموت وتختفي كل أسرار العيلة.
المزيكا عليت، جودي فتحت عينيها، وأول حركة عملتها خلّت حازم جوز نيفين يتنطر من مكانه ويهمس بصدمة: “نهار أسود.. يا نهار أسود!”
البت الصغيره عملت حركة بالوسط والدوران محدش يعرف يعملها ولا يفهم أصولها غير عيلة معينة في القاهرة القديمة.. عيلة حازم نفسه اللي ضاعت منهم بنت من ثلاثين سنة!
شيماء وقفت مش مصدقة عينيها، والدموع جمدت في وشها، لأنها أدركت في اللحظة دي إن الليلة دي مش بس هتكشف عن المليون جنيه بتاعة نيفين.. دي هتكشف السر اللي دفنته الأيام عن عيلتها والأصل اللي حازم بيدور عليه طول عمره.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *