شنطة خيش وأولاد أصول#حكايات_شروق_خالد

افتكرت الشغالة بتسرقني، فزنقتها بعد الشغل وشدّيت الشنطة القماش من إيدها اللي بترتعش. «افتحيها،» زعقت فيها—بس لما كل حاجة اتحدفت على الرخام، اكتشفت إن أفقر واحدة في بيتي كانت مخبية حاجة خلت كل القواعد اللي عايش بيها تبدو فجأة، وبشكل يوجع، مالهاش أي قيمة.
أنا اسمي زين الرشيدي.
في مصر، الاسم ده بيفتح أبواب مقفولة بالضبة والمفتاح. وله هيبة بتخلي الناس توطي صوتها أول ما بدخل أي مكان.
قضيت سنين أبني في شغلي، واسمي، والفيلا بتاعتي. كنت ببدع الناس اللي شغالة عندي في المرتبات—الحراس، السواقين، الجناينية، وعمال النظافة—وكنت شايف نفسي راجل أصول وعادل لأني باضمن إن محدش تحت سقفي يبات جعان.
كل يوم الساعة سبعة بالليل، الشيف بتاعي بيعمل عشاء الشغالين.
مش بواقي أكل.
أكل على مية بيضا.
لحمة. كباب. كابوريا. عيش طازة. وكل ما لذ وطاب.
وكانت عندي قاعدة واحدة:
طالما شغال عندي، يبقى تاكل أكل ينظف.
لحد ما جأت “نعمة” تشتغل في الفيلا.
كانت عندها ستة وعشرين سنة، هادية، ورُفيعة لدرجة إن المريلة الزرقا كانت بتلق عليها. عينيها في الأرض دايماً، بتشوف شغلها من غير ولا كلمة، وما بتبصش في إيد حد ولا بتتكلم مع باقي الشغالين.
كل يوم بالليل، جرس العشاء يرن.
وكل يوم، نعمة تلم حاجتها وتمشي.
في الأول، كبرت دماغي. قلت الناس مزاجات، وكل واحد وراحته.
بعدين بدأت ألاحظ الشنطة.
كانت بتيجي كل يوم الصبح شايلة شنطة خيش خضراء فاضية. وتيجي تروح بالليل، ألاقي الشنطة منفوخة ومددلة على جنبها.
في شغلي، الحركة المكررة بتجيب الشك.
بدأت أراقبها.

#حكايات_شروق_خالد
في يوم، سبت عشرة آلاف جنيه كاش في مكان عارف إنها هتشوفه وهي بتنظف مكتبي. وقفت أراقبها في الكاميرات، شالت الفلوس، مسحت تحتها، ورجعت كل قرش مكانه بالضبط.
اليوم اللي بعده، سبت “فلاشة” عليها أسرار شغلي جنب اللابتوب.
ولا حتى بصت عليها.
كان المفروض أطمن.
بس ما طمنتِش.
لأن كل يوم بالليل، الشنطة برضو بتخرج مليانة على عينها.
على يوم الجمعة، كان الشك أكل دماغي.
وقفت لها جنب باب الخروج بتاع الشغالين قبل سبعة بالليل. برة، الدنيا كانت بتشتي نطر مطر تلج، والهوا يطير العقل.
نعمة خرجت وهي لابسة جاكيت خفيف خالص ما يشيلش سقعة. والكوتشي بتاعها دايب وممسوح، ولازقاه بجلدة أو غيره عشان ما يفكش.
والشنطة القماش مليانة وتقيلة على كتفها.
«وريني الشنطة دي،» قلت لها.
وقفت مكانها.
ولأول مرة من يوم ما جيبتها، شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
«يا زين بيه، أرجوك..»
«افتحيها!»
عينيها اتملت دموع.
«حضرتك هتقطع عيشي وتطردني.»
الجملة دي كانت هي الإثبات اللي كنت مستنيه عشان ألبسها التهمة.
قربت منها وشدت الشنطة من إيدها.
مسكت فيها وهي بترتعش.
«أرجوك، بلاش يا بيه—»
السيور اتلوت بين إيدي وإيدها.
وفجأة الشنطة وقعت.
كل حاجة اتحدفت وتطوحت على الرخام.
علب بلاستيك انزحقت على الأرض.. سندوتشات ملفوفة في مناديل.. تفاح.. عيش.. حتت لحمة وشوية خضار ملمومين بعناية ورصّة وجع قلب.
وبعدين وقعت ثلاث كشكيلات مدرسة جنب جزمتي.
حدقت فيهم.
خط أطفال صغير مكتوب بيه على الجلدة من برة.
بصلتها وقلت لها:
«إيه ده؟»
نعمة وشها جاب ألوان وانفجرت في العياط.
«إخواتي الصغيرين يا بيه..»
حكتلي إن أمهم ماتت السنة اللي فاتت، وأبوهم طفش وسابهم. وهي اللي شايلة شيلتهم، شغالـة شغلانتين وطافحة الدم عشان بس تعرف تدفع إيجار الأوضة وتوريهم النور.
وفجأة كل حاجة نورت في دماغي.
هي ما كانتش بتسيب عشاء الشغالين عشان أكلي مش عاجبها.
ولا كانت بتسرق من مطبخي.
دي كانت بتاخد نوبتها وحصتها من الأكل وهي صايمة، وتلم الأكل في علب عشان تروح بيه لإخواتها.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *