شنطة خيش وأولاد أصول#حكايات_شروق_خالد

#حكايات_شروق_خالد
فتحت نعمة الباب بهدوء، ودخلت وهي تحمل صينية الشاي المعتادة. وضعتها على الطاولة، ثم أخرجت من حقيبتها دفتر توفير صغير، ووضعتها أمامه.
نظر زين إلى الدفتر باستغراب: «إيه ده يا نعمة؟»
ردت بثبات وابتسامة دافئة: «دي كل الفلوس اللي قدرت أشيلها من المرتب الكبير اللي كنت بتديهولي طول السنين اللي فاتت، مع القرشين اللي وفرتهم.. مش كتير على عزّك يا بيه، بس يفكوا أزمة أو يساعدوك تبدأ من جديد.»
دمعت عين زين، والرجل الذي لم تهزه عواتي السوق، اهتزت أركانه أمام شهامة هذه المرأة.
رد الدفتر إليها ببطء، وأمسك بيديها وقال بصوت يملؤه الامتنان: «الفلوس دي حقك وحق إخواتك يا نعمة.. وأنا مش محتاج فلوس عشان أقف على رجلي تاني، أنا محتاج وجودك جنبي بس.»
وبالفعل، وبفضل وقفتها وإيمانها بذكائه، استطاع زين أن يتجاوز الأزمة خلال أشهر معدودة، وتجاوزت شركاته الخسائر لتعود أقوى من الأول.
لكن المرة دي، لم تعد نعمة تدير القصر كعاملة.. بل دخلته بعد أشهر كزوجة لزين الرشيدي، وشريكة لحياته.
في ليلة زفافهما، وأثناء صعودهما درج الفيلا الرخامي، توقف زين في نفس النقطة التي سقطت فيها الشنطة الخيش منذ سنوات. نظر إلى نعمة وابتسم وقال:
«في المكان ده بالضبط.. افتكرتك بتسرقيني، وماكنتش اعرف إنك جيتي عشان تسرقي قلبي وتغيري حياتي كلها.»
ضحكت نعمة بصوت خافت، ودمعة دافئة هربت من عينها وهي تبص للدرج الرخامي، مسكت إيد زين بضغط خفيفة وقالت:
«يومها كنت فاكرة إن حياتي انتهت يا زين بيه.. ماكنتش اعرف إن ربك كان بيسوقني للراجل اللي هيغير دنيتي ودنية إخواتي للابد.»
مرت الأيام والسنوات، والقصر اللي كان زمان مجرد حيطان باردة وشويه قواعد ناشفة، بقى يتقال فيه شعر من الدفا والعز. إخوات نعمة كبروا، الكبير دخل كلية الهندسة والصغير بقى في ثانوي، وجابوا درجات ترفع الراس، وكان زين بالنسبة لهم مش بس زوج أختهم.. كان الأب والسند اللي الدنيا حرمتهم منه.
نعمة ما نسيتش أصلها لحظة واحدة؛ فتحت بطلب من زين مؤسسة خيرية كبيرة باسم “أولاد أصول”، كانت مهمتها توفر أكل كريم ووجبات يومية للمحتاجين والعمال المغتربين في كل أنحاء القاهرة، وكان زين بيشرف بنفسه على الميزانية ويقول لكل الناس:
«الست دي علمتني إن اللقمة اللي بتطعم جائع بتبني بيوت في الجنة، مش بس بتسد جوع.»
وفي يوم من أيام الشتا المتكتك، نفس اليوم اللي التقوا فيه من سنوات، كان زين قاعد في الصالة الكبيرة قدام الدفاية، وإخوات نعمة بيلعبوا وبيضحكوا حوليه، وجت نعمة وقعدت جنبه وهي ماسكة كوباية الشاي بالنعناع.
بص زين حواليه، وشاف الدفا اللي مالي كل شبر في القصر، ومال على نعمة وقالها بصوت واطي:
«عارفة يا نعمة؟ أنا طلعت الغني الحقيقي يوم ما افتكرتك بتسرقيني.. لأنك من يوم ما دخلتي بيتي، وإنتِ بتزوديه بركة ورضا عمر الفلوس ما كانت تشتريهم.»
ابتسمت نعمة وحطت رأسها على كتفه، والبيت كله بيضحك، وكأن الشنطة الخيش القديمة ديك كانت أصدق وأجمل رزق اتفتح بيه باب القصر ده.
شنطة خيش وأولاد أصول
#حكايات_شروق_خالد

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *