شنطة خيش وأولاد أصول#حكايات_شروق_خالد

#حكايات_شروق_خالد
«عشانهم؟» سألتها.
هزت رأسها وهي بتشهق من العياط.
«وأنتِ بتاكلي إيه؟»
ما ردتش.
بصيت للأكل اللي مرمي على الرخام بيننا.
«ردي عليا يا نعمة.. بتاكلي إيه؟»
صوتها خرج بالعافية زي الهمس:
«شاي بسجارة.. أو شوية قهوة يا بيه عشان تسد نفسي.»
دمي اتجمد في عروقي.
افتكرت كل الليالي اللي شفت فيها رجالة شحاطة طالعين من السفرة عندي شبعانين وبيكرعوا، وبيضحكوا ومش شايلين غير مفاتيح عربياتهم وشماسي.
وافتكرت نعمة وهي ماشية في الشارع والمطر بينزل على دماغها، شايلة أكل وهي تموت من الجوع، بس مش قادرة تلمس منه لقمة عشان فيه طفلين مستنيين اللقمة دي في البيت.
قضيت عمري كله فاكر إن الجدعنة والولاء بيتشَروا بالمرتبات العالية والأكل النظيف والقواعد اللي تخش الدماغ وتخليني أبان راجل بركة.
بس وأنا واقف فوق علب البلاستيك دي، عرفت إني عمري ما سألت نفسي: الناس دي بتشوف إيه لما تروح بيوتها بعد ما تقفل باب بيتي؟
تاني يوم الصبح، جمعت الشيف، ومدير البيت، وكل الشغالين في صالة الأكل.
وغيرت القاعدة.
من النهاردة، محدش ملزم ياكل وجبته هنا في الفيلا. أي حد عنده عيال، أو أم وأب، أو ناس رقبتهم في رقبته، ياخد أكله معاه وهو ماشي.
من غير كلام.
ومن غير ما حد يسأله كلمة واحدة.
بس أنا ما وقفتش لحد هنا.
شدّيت الشيف على جنب قبل العشاء.
«اعمل حسابك في ثلاث وجبات فاخرين النهاردة.»
بصلي ومستغرب:
«لمين يا زين بيه؟»
بصيت ناحية الطرقات اللي نعمة بتنظف فيها.
«واحدة ليها،» قلت بصوت واطي. «وواحدة لكل عيل من إخواتها الصغيرين.»
وسكت شوية..
لأن كان فيه حاجة ثانية قررت أعملها مع نعمة—وعارف إنها لما تعرفها، يمكن عمرها ما تبصلي تاني زي الأول.

أما الحاجة الثانية اللي قررت أعملها، فكانت إن إخواتها الصغيرين ما يناموش ليلة كمان من غير تعليم محترم وآدمي.
في نفس الأسبوع، دخلت إخواتها اتنين من أحسن المدارس الخاصة في المنطقة، ودفعت مصاريفهم للسنة كلها مقدم، ووفرت لهم عربية تاخدهم وترجعهم لحد باب البيت.
لما نعمة عرفت باللي حصل، وقفت قدامي في المكتب والدموع مغرقة وشها، بس المرة دي ما كانتش دموع خوف، كانت دموع ذهول وعدم تصديق.
«ليه بتعمل كل ده معايا يا زين بيه؟ أنا مجرد شغالة عندك!»
بصيت لها وقلت بثبات: «أنتِ مش مجرد شغالة يا نعمة.. أنتِ علمِتيني درس في المرجلة والشهامة أجدع رجالة ما عرفوش يعلموهولي. اللي يشيل شيلة زي دي وهو في سنك، يترفع على الراس مش يشتغل في الخدمة.»
ترقيتها من يومها ومسكتها إدارة شؤون الفيلا بالكامل بمرتب ضعف اللي كانت بتاخده، وبقت هي الكل في الكل والكلمة كلمتها.
ومرت الأيام، والبيت اللي كان دايماً بارد وفاضي، بقى مليان دفا وضحك وصوت إخواتها وهم بيلعبوا في الحديقة بعد المدارس.
نعمة ما غيرتش بس القاعدة اللي كنت عايش بيها.. دي غيرت حياتي كلها، وعرفتني إن الجدعنة مش بقطرة الفلوس، بل بالقلب اللي يحس بالناس قبل ما يسألهم عن القواعد.
مع مرور السنين، تحولت نعمة من مجرد مدبرة لشؤون الفيلا إلى العقل المدبر لكل حركات وسكنات القصر، والشخص الوحيد الذي يلجأ إليه زين الرشيدي عندما تظلم الدنيا في وجهه.
وفي يوم من الأيام، تعرض زين لأزمة مالية وحرب شرسة من منافسيه في السوق، كادت تطيح بشركاته وتصادر كل أملاكه. تخلّى عنه معظم أصحاب المصالح، والذين كان يظنهم أصدقاء عمره.
وفي ليلة كانت الأصعب عليه، كان يجلس في مكتبه مطفأ الأنوار، يدخن بصمت وأمامه أوراق الإفلاس.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *