شجاعة طفلة: #حكايات_شروق_خالد

في الساعة اتنين بعد نص الليل، لقطت بنت عندها 6 سنين بتنظف مكتبي الخاص وعلى ظهرها طفلة رضيعة مربوطة، عشان كانت مرعوبة أمها تخسر شغلها ويرموا في الشارع. بس اللي جمد الدم في عروقي ما كانش منظر إيديها الصغيرة وهي بتعافر مع مكنسة الكهرباء اللي تقريباً قدها.. اللي وقفني ذهول لما بصت لحيطة المكتبة وسألتني بصوت واطي: “يا سيادة الباشا… هو ليه فيه حد بيفضل يخبط من جوة الحيطة دي؟”
قضيت السهرة كلها بحاول أمنع رجالة تقيلة وواصلة في البلد من إنهم ياخدوا قرارات غبية، وبحلول الساعة 1:47 بعد نص الليل، ما كنتش محتاج غير حاجة واحدة بس: الهدوء.
بس أول ما حطيت رجلي جوة فيلتي في الزمالك، سمعت صوت مكنسة شغالة فوق.
المعاد مش مظبوط.. والدور مش مظبوط.
طلعت سلم الخدم بهدوء، وأنا ماشي ورا إيقاع المكنسة اللي باين عليه المعافرة. تشتغل.. تقف.. وتشتغل تاني.
الضوء كان طالع من باب مكتبي.
وقفت عند الباب.
كانت فيه بنت صغيرة واقفة على أطراف صوابعها جنب المكتب، بتجر قماشة مبلولة على الجلد. إيديها الصغيرين كانوا محمرين من المية الباردة، وعلى ظهرها طفلة رضيعة نايمة، مربوطة بشال أزرق دايب.
عرفتها على طول.
“ميا”.. عندها 6 سنين.
أمها، “نعمة”، شغالـة عندي في البيت بقالها 8 سنين. 8 سنين كاملين، واكتشفت بمرارة ما عجبتنيش إن عمري ما بصيت للست دي بتركيز عشان أعرف أي حاجة عن حياتها.
ميا مسكت إيد المكنسة بإيديها التنين.
زقت.
المكنسة بالكاد تحركت ملي.
سنانه جزت على بعضها، بس ما اشتكتش. ثبتت رجليها في الأرض وزقت تاني، وقفت بس ثانية عشان تمد إيدها ورا ضهرها وتتأكد إن أختها الرضيعة لسه ملفوفة كويس وماسكة فيها.
وبعدين همست: “معلش يا ليلي.. نامي وما تصحيش.”
فضلت واقف في الظل.
تمتمت بصوت واطي: “لازم نخلص قبل ما الباشا يرجع البيت.”
عينيا ضاقت.
القماشة اتزحلقت من بين صوابعها. جابتها من الأرض في ثانية.
“لو أمي خسرت الشغل ده.. مش هنلاقي حتة ننام فيها.”
فيه حاجة جوة صدري اتجمدت تماماً.
خطوت لبرة وطلعت في النور.
ميا لفت بسرعة.
لنصف ثانية، الرعب جرى على وشها. وبعدين شدّت كتفيها الصغيرين وكأنها بتحاول بكسرة جسمها تحمي أختها الرضيعة اللي على ضهرها مني.
سألتها بصوت هادي: “فين أمك؟”
صوابعها اتطبقت على القماشة جامد: “تعبانة وسخنة يا باشا.”
“وأنتِ اللي بتعملي شغلها؟”
ميا بلعت ريقها بالعافية: “أرجوك ما تطردهاش..”
الغضب ركبني، بس ما كانش منها ولا من الطفلة.
وقبل ما أرد عليها، بصت فجأة ناحية مكتبة الكتب الثقيلة.
مش ناحيتي..
ناحية الحيطة اللي ورا المكتبة.
وشها اتغير.
“يا سيادة الباشا؟”
“إيه؟”
ترددت ثانية: “ممكن أسألك حاجة؟”
“اسألي.”
شاورت بإيدها الصغيرة على مكتبة الخشب:
“هو ليه فيه حد بيفضل يخبط ورا الحيطة دي كل يوم بالليل؟”
حدقت فيها بذهول: “بتقولي إيه؟”
ميا وُطت صوتها أكتر:
“ساعات بيبقى خربشة.. وساعات تلات خبطات ورا بعض. أمي بتقولي إن أنا بتخايل.”
نبضي بطأ.
الفيللا دي بتاعتي وبتاعت العيلة بقالها سنين. مشيت جنب الحيطة دي آلاف المرات.
ما فيش أي حاجة وراها.. دي حيطة خرسانة سد.
فجأة عينين ميا اتسعت:
“استنى..”
رفعت صباعها الصغير:
“اسمع كده..”
التفتت ناحية المكتبة وخشبها العتيق.
لعدة ثواني، ما كانش فيه غير صوت السكون والمطر برة.
وبعدين.. من مكان ما مستخبي ورا المكتبة..
خبطة.
خبطة.
خبطة.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *