شجاعة طفلة: #حكايات_شروق_خالد

حكايات شروق خالد

الدم اتجمد في عروقي.
الصوت ما كانش تخيل ولا خيال طفلة.. كان خبط منتظم، مكتوم، طالع من العمق ورا خشب المكتبة الأرو اللي مغطي الحيطة بالكامل.
ميا مسكت في طرف جكيتي بإيدها المبلولة وترتعش: “سمعته يا باشا؟ أنا مش بتبلى والله.. كل يوم الساعة اتنين بليل بيحصل كده.”
قربت من المكتبة بخطوات هادية. المساحة دي أنا ورثتها عن أبوي الله يرحمه من 15 سنة، وعمري ما شكيت إن فيه سنتيمتر واحد مش مكشوف في الفيللا. بس الخبط المكتوم كرر نفسه تاني:
خبطة.. خبطة.. خبطة.
مسكت رف الكتب الأوسط وبدأت أشد المجلدات الجلد الجلد القديمة. ميا كانت واقفة ورايا، حاطة إيدها على بوقها ومسبتة أختها الرضيعة على ضهرها.
ورا المجلد الخامس، لقيت حاجة عمر ما عيني جت عليها.. مفتاح حديد قديم وصدي، معشق في أكرة مخفية جوة التجويف الخشبي لظهر المكتبة!
لفيت المفتاح، وزقيت الخشب بكل قوتي.. المكتبة كلها تحركت على مجرى حديد مخفي بصوت صرير يوجع الضرس، ليكشف عن باب صاج تصدي وراه سلم ضيق نازل للضلمة في أحشاء الفيللا!
“ميا.. خليكي هنا وما تتحركيش!”
سحبت التليفون وشغلت الكشاف، ونزلت السلم الخشبي اللي بتهتز تحت رجلي مع كل خطوة. الريحة تحت كانت عفنة، ريحة رطوبة وسنين مقفول عليها.
في نهاية السلم، لقيت أوضة صغيرة جداً شبه السجن، وفي زاويتها.. كان فيه هيكل راجل كبير في السن، هدومه دايبة، ومربوط بسلسلة حديد ثقيلة في الحيطة، وفي إيده حتة حديدة بيخبط بيها على الماسورة اللي طالعة لورا مكتبتي!
الراجل أول ما شاف النور، غطى عينيه بإيديه المرتعشة وصوته طلع مخرشر زي الصدأ: “إبراهيم؟.. أنت جيت تق/تلني يا إبراهيم؟”
إبراهيم ده.. كان اسم أبوي الله يرحمه!
قربت منه وركبت على ركبي بذهول ورعب: “أنت مين؟ وأبوي حبسك هنا ليه؟!”
الراجل بصلي بعيون معتمة وقال بنبرة مكسورة: “أنا عمك ‘فاروق’ يا ابني.. اللي أبوك أعلن وفاته من 20 سنة عشان يستولي على أملاك العيلة والشركة كلها لوحده.. وحبسني هنا في السر عشان ما أطالبش بحقي!”
الصدمة نزلت عليا زي الصاعقة. كل الثروة، الفيللا، الشركات، والمكانة اللي أنا فيها.. كانت مبنية على ج/ريمة بشعة وخيانة دم ارتكبها أبوي في السر، وظلم عاش فيه راجل 20 سنة تحت الأرض في الضلمة!
طلعت تجري لفوق، سحبت شاكوش وعتلة من أوضة الصيانة، ونزلت قطعت السلسلة الصدية وشيلت عمي على كتفي وطلعت بيه للنور.
فوق في الأوضة، ميا كانت واقفة خايفة، بس أول ما شافت الراجل العجوز العيان، جابت بالسرعة فوطة مبلولة ومية وادتهاله يشرب بالراحة.
بعد أسبوع واحد..
حياة البيت كلها اتغيرت.
عمي فاروق اتنقل لأكبر مستشفى يتعالج ويرجع لصحته، وأنا كتبت نص الأملاك والشركات باسمه رسمياً عشان أرد حقه وأكفر عن ذنب أبوي.
أما “نعمة” وبنتها “ميا”..
ما بقوش شغالات في البيت. نعمة اتعالجت على أعلى مستوى، وميا وأختها الصغيرة بقوا عايشين في ملحق الفيللا المكرمين، وميا دخلت أحسن مدرسة في الزمالك.
وفي ليلة، كنت قاعد مع ميا في المكتبة الجديدة بعد ما هدينا الحيطة وشيلنا الباب المخفي. بصت لي وابتسمت بذكاء:
“يا سيادة الباشا.. الحيطة بطلت تخبط خلاص.”
رديت عليها وأنا بحط إيدي على راسها باحترام ورضا:
“بطلت تخبط يا ميا.. عشان أنتِ بصوتك الصغير كشفتِ الحق، وأنقذتي مظلوم، وغيرتي حياة العيلة دي كلها للأبد.”
#حكايات_شروق_خالدمرت السنين بسرعة، والمكتبة اللي كانت في يوم من الأيام مخبية سر إسود ورا حيطانها، بقت أكتر مكان دافي في الفيللا كلها.
عمي فاروق رجعت له صحته ورجعت له عافيته بفضل ربنا ثم الرعاية الطبية، وبقى يقضي معظم وقته في الجنينة يزرع ورد ويهتم بالشجر، وكأنه بيمحي 20 سنة من الضلمة والوحدة بجمال الخضرة ونور الشمس. وبقى بالنسبة لـ “ميا” وأختها الصغيرة “ليلي” زي الجد الحنين اللي بيلعب معاهم ويحكي لهم قصص زمان.
نعمة مسكت إدارة الفيللا كـ “مديرة منزل” بمرتب كبير وكيان مستقل، وبقت هي الكل في الكل، ومحدش ينطق حرف في البيت إلا بشورها.
أما ميا.. فكبرت وبقت الأولى على مدرستها كل سنة. كان عندها شغف مش طبيعي بالقراءة والبحث، وكأن الساعات اللي قضتها وهي صغيرة قدام رفوف المكتبة الخشب سابت جوة روحها علامة ما بتمحيش.
في يوم حفل تخرجها من مرحلة الثانوية العامة بتفوق ممتاز، كنا قاعدين كلنا في الصالون الكبير نحتفل بيها: عمي فاروق، ونعمة، وليلي كبرت وبقت صبية شقية.
ميا وقفت وسحبت من شنطتها ملف أوراق قديم متغلف بدقة، وحطته قدامي على الترابيزة.
بصيت لها باستغراب: “إيه ده يا ميا؟”
ميا ابتسمت بذكاء وقالت: “دي استمارة رغبات الجامعة يا سيادة الباشا.. أنا اخترت أدخل كلية الحقوق.”
عمي فاروق ضحك بصوت دافي وقال: “حقوق؟ عاوزة تطلعي محامية يا ميا؟”
ميا بصت لي بثبات وعينيها بتلمع بفخر حقيقي:
“أنا اتعلمت من صغري إن الصوت الصغير ممكن ينقذ مظلوم ويدور على الحقيقة.. والبيت ده علمني إن الشجاعة مش في القوة ولا السلطة، الشجاعة في إنك تقف مع الحق مهما كان التمن. أنا عاوزة أكون محامية عشان أدافع عن كل مظلوم مش قادر يوصل صوته.”
دمعة هربت من عين نعمة وهي بتبص لبنتها بفخر، وأنا حطيت إيدي على كتف ميا وابتسمت من قلبي:
“وأنا متأكد إنك هتبقي أشطر وأشرف محامية في مصر يا ميا.. لأنك من وأنتِ عندك 6 سنين، كنتِ أشجع وأعقل من رجال كبار.”
ومن اليوم ده، بقى اسم “ميا” مش بس رمز للطفلة اللي أنقذت مظلوم، بقى رمز للنور اللي بدد الضلمة، واليد الصغيرة اللي غيرت مصير عيلة كاملة وجابت الحق لأصحابه.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *