المكتوب على الحظاظة حكايات شروق خالد
المليونير سمع البنت الصغيرة وهي بتهامس “محدش فيهم بيختارني أبداً”، بس الاسم المكتوب على حظاظتها خلاه يتسمر وما يقدرش يتنفس
البنت الصغيرة كانت خلاص رجعت الكارت اللي عملته بإيدها جوة الجاكيت بتاعها قبل ما نور الدين يلاحظها.
عملت كده ببطء وحذر.
مش بغضب.. ولا بدوامة درامية.
هي ببساطة طبقت القلب المصنوع من الورق المقوى على نفس الكسرة القديمة، وزحلقته جوة الجيب الداخلي للجاكيت الأزرق المبهوق بتاعها، وقفلت الزراير عليه.. كأنها أخيراً اقتنعت واستسلمت إن محدش هيكون محتاج الحاجة اللي عملتها.
حواليها، كان اليوم المفتوح لتبني ورعاية الأطفال في الملجأ شغال عادي.
الأزواج والستات كانوا بيتحركوا بين الترابيزات تحت إضاءة اللمبات النيون، شايلين كوبايات القهوة البلاستيك وبيسألوا أسئلة الكبار الحذرة بصوت هادي، فاكرين إن الأطفال مش فاهمين هما بيقولوا إيه.
عنده كام سنة؟
هي ليها إخوات؟
عندها أي تاريخ طبي خطير؟
هو عمره ما كان عنيف؟
يعني إيه أصلاً صعوبة في التعلق والاندماج؟
كان فيه بلالين ملزوقة جنب الباب الرئيسي. وواحدة متطوعة كانت مرصصة بسكويت على صواني فضة. وحد تاني حاطط نجوم ورق شكلها مبهج على حوائط المركز الاجتماعي لرعاية الأسرة في المعادي.
كل حاجة كانت متزوقة عشان تدي إحساس بالأمل.
لكن الأمل—زي ما نور الدين فكر بعدين—عمره ما كان شكله قاسي بالمنظر ده.
هو ما كانش المفروض يطول هنا.
في سن التسعة وتلاتين، نور الدين كان بيملك شركة “كول ميريديان” للشحن والمخازن، شركة خليته غني لدرجة إن نفسه وهو طفل ما كانش يصدق إن ده ممكن يحصل. مجلات الشغل والبزنس كانت أوقات بتسميه “الرجل الذي بنى نفسه بنفسه”. الموظفين بتوعه كانوا بيسموه “صعب ورخم”. وأخوه الصغير كان بيسميه “المتبلد المشاعر”.
لكن نور الدين كان بيفضل كلمة: “منظم وعملي”.
هو كان جاي عشان يسلم شيك التبرع، يبتسم جنب مدير البرنامج عشان صورتين تلاتة، ويمشي.
سبع دقائق.
ده كان الجدول المترتب.
سكرتيرته، لورا، كانت واقفة بالفعل جنب المخرج والبالطو بتاعه متطبق على دراعها.
وفجأة.. نور الدين سمع البنت.
“محدش بيختارني.”
الجملة اتدبلت وتاهت تقريباً في زحمة ودوشة الأوضة.
نور الدين التفت.
البنت كانت قاعدانة لوحدها في آخر صف في الكراسي الصاج المطوية، بتبص على الأرض بين جزمتها.
ما كانش سنها هيزيد عن تسع سنين.
شعرها بني فاتح ومقصوص بطريقة وحشة ومكسرة عند أكتافها، كأن حد قصّهولها في السريع بلمقص المطبخ. فردة كوتشي منها كانت برباط أبيض، والتانية برباط أسود. الجاكيت الأزرق كان واسع جداً من عند الأكتاف بس قصير عند إيديها.
كانت بتمشي صباعها الإبهام بالراحة على حافة حظاظة مستشفى بلاستيك في إيدها.
همست بصوت واطي: “عمرهم ما هيختاروني.”
نور الدين وقف مكانه.
لورا كانت هتخبط فيه من كتر ما وقف فجأة.
“أستاذ نور الدين؟”
ما ردش عليها.
فيه عيلة قربت من البنت.
نور الدين راقب التحول اللي حصل للبنت في ثانية.
أكتافها اتفردت.
وابتسمت.
مش ابتسامة طفل تلقائية..
دي كانت ابتسامة مقابلة شغل.
الست قالت: “أهلاً.”
ردت البنت: “أهلاً يا فندم.”
الست باين عليها اتفاجأت من الرسمية الشديدة.
“ده جوزي، إيهاب.”
“أهلاً يا فندم.”
إيدين البنت اختفوا تحت رجليها.
الزوجين بدأوا يسألوها بتحبي إيه.
“الكتب.”
أني نوع؟
“أي نوع.”
أكلك المفضل؟
“أي أكل عادي.”
بتعجبي بالحيوانات؟
“بحب الكلاب.”
تفرق معاكي تعيشي في مكان مفيش فيه كلاب؟
“لا يا فندم.”
نور الدين كان بيراقبها وهي بتمحي نفسها إجابة ورا إجابة.
مفيش أي تفضيل شخصي قوي عشان ما تضايقش حد.
مفيش أي احتياج كبير عشان ما تخوفش حد وتطفشه.
مفيش أسلوب أو شخصية محتاجة مراعاة أو مجهود.
إيهاب ابتسم بجمود وتهذيب: “إحنا هنلف ونبص على باقي الأماكن.”
ابتسامة البنت ما تحركتش: “تمام.”
“ممكن نرجع تاني.”
“تمام.”
بس هما ما رجعوش.
في اللحظة اللي ادوها فيها ظهرهم، الابتسامة اختفت تماماً.
نور الدين حس بحاجة ضايقته وعصرت قلبه جوة صدره.
هو يعرف رجال أعمال بيعملوا صفقات بمليارات الملايين بصدق أكتر بكثير من الكلمتين دول: ممكن نرجع تاني.
قرب ومشي ناحيتها.
أول ما ضله وصل لجزمتها، البنت رفعت رأسها.
عينيها كانت رمادي.
نور الدين نسي الجملة اللي كان ناوي يقولها أصلاً.
كان فيه حاجة متنعكسة في عينيها ومألوفة بشكل غريب—مش اللون بالظبط، بس الشك والتعب المخفي ورا عينيها.
قال بدلها: “أهلاً.”
“أهلاً.”
“أنا نور الدين.”
“عارفة.”
وده فاجئه.
شاورت بإيدها على بنر ملزوق جنب ترابيزة الأكل والمشروبات:
شكراً لأستاذ نور الدين كول وشركة كول ميريديان على دعمهم لأسر المنطقة.
صورته كانت مطبوعة جنب لوجو الشركة.
نور الدين كشر وابتسم بضيق: “للأسف ده بيوضح كل حاجة.”
البنت كانت هتسيب ابتسامة تطلع.
تقريباً.
شاور براسه على الكرسي الفاضي اللي جنبها: “ممكن أقعد؟”
“مش شرط تقعد.”
“عارف.”
“إنت خلاص إديتهم فلوس.”
نور الدين بص لها: “أنا ما كنتش بسأل إذا كان مفروض عليا أقعد ولا لأ.”
“أوه.”
“ممكن أقعد؟”
بعد لحظة، هزت رأسها.
نور الدين قعد.
بنطلون البدلة اتشد بضيق عند ركبه. الكرسي كان معمول لحفلات المدارس مش لراجل بحجمه.
قالت: “أنا مريم.”
“تشرفنا يا مريم.”
السكوت نزل بينهم.
نور الدين ما سألهاش ليه محدش اختارها.
كان حاسس إن فيه كبار كتير سألوها أسئلة هما ما كانش عندهم أي نية يشيلوا مسئوليتها.
بدل ده، شاور على الجاكيت بتاعها: “إيه اللي شيلتيه جوة؟”
إيدها غطت الجيب فوراً: “ولا حاجة.”
“ماشي.”
سكوت تاني.
وبعدين، يمكن عشان هو ما ضغطش عليها، مريم فتحت الجاكيت.
طلعت القلب المتطبق.
كان معمول من ورق مقوى أحمر، وصمغ، وجليتر كتير زيادة عن اللزوم.
وعلى الوش كانت كاتبة بحروف مش منتظمة:
لعيلتي
نور الدين بلع ريقه.
“إنتِ اللي عملتي ده؟”
مريم هزت رأسها: “يه حاجات جوة.”
فتحت القلب.
جوة كان فيه ست كوبونات صغيرة متصممة بقلم ألوان:
حضن مجاني واحد.
هساعد في عمل البان كيك.
ليلة سهرة وفيلم، من اختياركم.
أنا بوعد إن أنا هحاول أكون شاطرة ومؤدبة جداً.
نور الدين وقف قراية.
الكوبون الأخير ده كان في نص الصفحة.
أنا بوعد إن أنا هحاول أكون شاطرة ومؤدبة جداً.
صوته طلع متلخبط لما كرر الجملة.
مريم شرحت في السريع: “أنا شاطرة في التنظيف. ومش بكسر الحاجات. وبأعرف أظبط سريري كويس. ومش بصحي حد إلا لو حاجة مهمة. كان بيجيلي كوابيس زمان بس دلوقتي تقريباً مابقتش تجيلي.”
نور الدين بص لها وقال: “مين قالك إنك محتاجة تعملي كل ده عشان حد يقرر يحتفظ بيكي؟”

