المكتوب على الحظاظة حكايات شروق خالد
#حكايات_شروق_خالدمريم بصت للأرض وما ردتش، أصابعها الصغنونة كانت بتهبش في حافة الجاكيت الأزرق المبهوق.
نور الدين بص لإيدها، ولأول مرة عينه جات بشكل مباشر على الحظاظة البلاستيك البيضا اللي ملفوفة حولين معصمها الصغير.. حظاظات المستشفيات القديمة اللي ما بتتقصش غير بمقص.
قرأ الاسم المكتوب بخط كمبيوتر باهت على الحظاظة:
مريم أحمد الكاشف — 2017/04/12
في اللحظة دي، الهواء اتسحب من الأوضة كلها.
نور الدين اتسمر في مكانه، النفس قطع من صدره كأن حد ضربه بمطواة في قلبه. عينيه وسعت برعب وصدمة هزت كيانه كله، ورجليه الثابتة بدأت تترعش وهو قاعد على الكرسي الصاج.
أحمد الكاشف..
الاسم ده ما كانش مجرد اسم بالنسبة لنور الدين.
أحمد الكاشف كان شريكه القديم، وصاحب عمره الوحيد، والراجل اللي شال عنه رصاصة غدر من عشر سنين عشان ينقذ حياته في أزمة شركتهم الأولى.. الراجل اللي نور الدين قعد يدور على عيلته وسلالته بالسراج والمنيل بعد ما مات في حادثة غامضة وساب مراته وحامل في بنت.. والمرأة اختفت بعدها في ظروف مريبة ونور الدين مالقاش ليهم أي أثر رغم كل ملايينه ونفوذه!
“مريم؟” صوته خرج مبشوح، يرعب أي حد يسمعه من كتر الوجع.
مريم رفعت رأسها واستغربت من شكل وشه اللي اصفر وبقى زي التلج: “إنت كويس يا عمو؟”
نور الدين رفع إيده اللي بتترعش بألم، ولمس الحظاظة بالراحة كأنه خايف تطلع حلم: “أبوكي.. كان اسمه أحمد الكاشف؟”
مريم عينها الرمادي وسعت بذهول: “إنت تعرف بابا؟”
“أنا..” نور الدين بلع ريقه والدفعة الأولى من دموعه نزلت على خده قدام البنت الصغنونة، الراجل القاسي المتبلد المشاعر اللي السوق كله بيخاف منه كان بيبكي بحرقة: “أبوكي كان أخويا يا مريم.. كان أجدع بني آدم عرفته في حياتي.”
مريم بصت له بذهول، وفي ثانية، كل الوقار والرسمية بتوع “مقابلة الشغل” اتبخروا.. عينيها اتملت دموع هي كمان، وشفايفها الصغنونة بدأت تترعش.
نور الدين ما ترددش ثانية واحدة. نزل على ركبه قدام الكرسي الصاج في وسط القاعة، مسك إيديها الصغيرين بين كفيه الضخام، وقال بنبرة حاسمة هزت المكان كله:
“مفيش كوبونات يا مريم.. مفيش أودرة ولا تنظيف ولا تنفيض، ومش محتاجة تحاولي تكوني شاطرة عشان حد يحتفظ بيكي.. أنتِ من الليلة دي بنتي، وفي بيتي، وماحدش في الدنيا دي كلها هيقدر يخليكي تحسي إنك مش مختارة تاني.”
سارة السكرتيرة كانت واقفة بعيد ودموعها نازلة من الموقف، جرت بسرعة وجابت المشرفين بتوع المركز.
نور الدين وقف وبص لمدير الملجأ بنظرة حديدية قاطعة ما تقبلش النقاش: “الأوراق تخلص دلوقتي.. مريم مروحة معايا الليلة دي.”
وبعد ساعة واحدة..
نور الدين كان ماشي في الشارع ومسك إيد مريم الصغيرة، ومريم كانت شايلة القلب الورق المقوى الأحمر في إيدها التانية، بس المرة دي كانت مابتخبيهوش جوة الجاكيت.. كانت شايلاه بفخر وهي طالعة تركب العربية الفخمة جنب أجدع راجل في الدنيا.
تمت.
الاسم
