شبح في جراج المستشفى ج2 حكايات شروق خالد

مرت الأيام والأسابيع بعد اليوم ده وزي ما يكون الزمان حَب يعوضني عن كل ثانية عشتها في خوف.
الليلة اللي كنت فاكراها كابوس في جراج المستشفى، طلعت هي الباب اللي اتفتحلي منه العوض. يوسف ماكانش مجرد سند أو راجل حمى حكايتي من البلطجة، كان عوض ربنا الحقيقي عن كل تعب وعن كل قسوة شفتها في حياتي.
خطوبتنا كانت في جو هادي وملموم، ما بين أهلي المقربين وأصحابي اللي دمعت عينيهم من الفرحة وهم شايفين مريم اللي كانت بتترعش من خيالها، واقفة جمب يوسف العطار ووشها منور وضحكتها مالية المكان.
وفي خلال شهور قليلة، كنا بنجهز لعشنا الجديد.. شقة مطلة على النيل، واسعة ودافية، كل ركن فيها يوسف حرص إنه يتصمم بلمسة تخليني أحس بالأمان والراحة.
يوم الفرح.. كنت واقفة قدام المراية بلبسي الأبيض، وبصيت لنفسي ملياً. افتكرت الممرضة المجهدة اللي كانت بتسحب رجليها في جراج المستشفى بشوز مبلول وشفت طويل، وافتكرت اللحظة اللي مسكت فيها الميدالية وإيدي بتترعش.. وبصيت ليدي النهاردة وهي ماسكة بوكيه الورد والدبلة بتلمع في صباعي.
أول ما يوسف دخل عليا الأوضة ببدلته التوكسيدو السوداء، عينيه لمعت أول ما شافني. قرب مني وباس رأسي بالراحة ووشوشني:
«كل خطوة مشيتها في الضلمة يا مريم.. كانت بتسحبك ليا. النهاردة أنتِ ملكي، ومش هسمح لشيء في الدنيا دي يقلقك تاني.»
الحياة بعد الجواز كانت أهدى وأجمل مما تخيلت. يوسف ما اتغيرش، بالعكس.. الحنية اللي كانت مستخبية ورا هيئته الصارمة ونفوذه، بقت هي الدفا اللي عايشة فيه كل يوم.
فضل يصر إن شغل المستشفى يفضل اختياري، مش فرض عليا، بس مع المواعيد اللي تريحني وعشان بحب شغلي، فضلت ماسكة ترقيتي ورئاسة التمريض في الدور، بس والضحكة مش بتفارق وشي والمريض قبل السليم بيشوف أثري في المكان.
وفي يوم.. بعد سنة من جوازنا، كنت واقفة في البلكونة الكبيرة بتاعة شقتنا بالليل، والهوا الساقع بتاع القاهرة بيخبط في وشي.
جه يوسف من ورايا، لف إيديه حولين وسطي وحط دقنه على كتفي:
«سرحانة في إيه يا حرم يوسف العطار؟»
لفيت نفسي بين إيديه، وبصيت في عينيه الرمادية اللي بقيت بشوف فيها سكن وأمان الدنيا كلها، وابتسمت وأنا بحط إيده على بطني:
«بفكر في اللي جاي يا يوسف.. وبفكر هنقول إيه لابننا لما يكبر، عن السر اللي بدأ في جراج المستشفى تحت الأرض.. السر اللي خلاني أعرف إن ربنا لما بيحب يحمي حد، بيسخرله راجل يوقف الدنيا كلها على رجل واحدة عشان بس يشوف ابتسامته.»
يوسف حط كفه فوق إيدي على بطني، وعينيه دمعت من الفرحة لأول مرة أشوفها، وضمّني لحيطانه الدافية وهو بيقول:
«هنقوله إن أمه كانت أشجع ست في الدنيا.. وإن أبوه كان واقف في الصمت، مستني اللحظة اللي يغير فيها قدرهم مع بعض للأبد.»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *