الملكة الغلبانة حكايات شروق خالد
خدت خمس رصاصات كانوا رايحين لوالدة كبير المنطقة — وعشان كده الغلبانة اللي محدش كان عامل لها حساب، بقت الوحيدة اللي الإمبراطورية كلها ما تقدرش تستغنى عنها
الرصاصة الأولى دخلت في جسم «سعاد» قبل ما تفهم أساساً إن اللي سمعته ده صوت ضرب نار.
في ثانية واحدة، كانت واقفة على درجات الرخام الأبيض بتوع كنيسة «مار جرجس» في وسط البلد، ومادة إيدها لست كبيرة في السن عشان تديها السبحة اللي وقعت منها على الأرض.
وفي الثانية اللي بعدها، حاجة خبطتها في كتفها الشمال بقوة لفّتها نص لفة.
وبعدين جه الصوت.
مكتوم.. وحاد.. وغشيم.
صوت نشاز ما ينفعش يطلع في صباحية يوم ثلاثاء.
حد صرخ.
سعاد شافت وش الست الكبيرة بيتغير.
شافت الذهول بيتحول لرعب عارف صاحبه.
وشافت رجلين واقفين جنب باب الكنيسة بيسحبوا أيديهم من جوه الجاكيتات.
وبعدين لمحت العربيات الجيب السوداء الفامية اللي كانت واقفة بالورب جنب الرصيف.
الزجاج الخلفي كان نازل.
وكان فيه واحد جوه معمر وشايل آلي ومصوب على الست اللي واقفة جنبها بالضبط.
سعاد مالمحتش تفكر.
التفكير ده بييجي بعدين.
التفكير ده بتاع الناس اللي عندهم وقت.
حدفت نفسها لقدام.
ذراعاتها اتلفت حولين كتاف الست الكبيرة في نفس اللحظة اللي دخلت فيها رصاصة ثانية في جنبها.
وبعدين واحدة كمان.
وبعدين رصاصتين ورا بعض بسرعة مرعبة، لدرجة إن الوجع اتوقف إنه ييجي على دفعات وبقى عبارة عن انفجار أبيض كبير بياكل في جسمها كله.
سعاد وقعت.
والست الكبيرة نزلت تحتها.
خدها خبط في الرخام الساقع.
حد جعر بالصوت: «يا أم المعلم د his!»
وجيه الرد بضرب نار حي ومتواصل من ناحية مدخل الكنيسة.
الكاوتشات صرخت في الإسفلت.
الزجاج اتكسر ودشمل في كل حتة.
والعربية الجيب فركت وجريت في وسط الزحمة.
سعاد حاولت تاخد نفسها.
جسمها رفض.
كانت شامة ريحة البخور اللي طالعة من باب الكنيسة المفتوح.
وريحة مطر.
وبارود محروق.
وفانيليا.
فانيليا؟
في ثانية واحدة غريبة، افتكرت تورتة «الكاساتا» التلات أدوار اللي سابتها مركونة جنب السور.
كانت قعدت ست ساعات كاملة بتزوق فيها.
كانت هتموت وتضحك.
بس ما طلعتش ولا نفس.
الست الكبيرة اللي تحتها كانت بتهتز وبتتحرك.
بتحاول تزق نفسها لفوق.
«يا مري الغفار..»
صوتها كان بيرتعش.
«يا حبيبتي.. يا بنتي..»
إيدين دافيين لمسوا وش سعاد.
«بصيلي هنا.. بصيلي يا بنتي!»
سعاد فتحت عينها بالعافية.
بالطو الست الفاخر اللي كان لونه أوف وايت بقى ملطخ بأحمر كتير.
أحمر زيادات عن اللزوم.
سعاد كانت عايزة تتأسف لها.
«أنا بوظت..»
«بوظتي إيه يا بنتي؟»
«التورتة..»
الست الكبيرة بحلقت فيها.
وبعدين وشها اتقلب مناحة وبكاء.
«يلعون التورتة على أبوه التورتة!»
صوت سرينات الإسعاف كانت بتقرب.
واحد من الحراسة نزل على ركبه جنبهم.
«يا أمه.. يا ست الحجة الحاجة كاترينا.. لازم نتحرك فوراً!»
«لا!»
«يا حجة—»
«قلتلك مش متحركة من هنا!»
الحارس بص لسعاد.
وشه جاب ألوان وتغيرت ملامحه.
«الإسعاف على وشك توصل يا حجة.»
الست الكبيرة مسكت إيد سعاد بشدة.
«خليكي معايا.. سامعاني؟»
سعاد النور بدأ يظلم في عينها.
«أنتِ سامعاني يا بنتي؟»
سمعاها.. بالعافية.
«اسمك إيه؟»
«سـ.. سعاد.»
«سعاد إيه؟»
«سعاد النادي..»
«أنا الحاجة كاترينا.»
فم سعاد حاول يرسم ابتسامة.
«عرفتك خلاص..»
الحاجة كاترينا ضغطت على إيد سعاد بين إيديها الاثنين.
«عملتي كده ليه يا بنتي؟ رميتي نفسك في الموت ليه؟»
السؤال كان غريب في ودن سعاد.
مخها كان بيتحرك بتقل.
عشان كنتِ واقفة.
عشان أنتِ ست كبيرة.
عشان العيال كانوا بيضربوا نار.
ولأن محدش المفروض يسيب حد كبير يقف لوحده قدام الموت كده.
ما قدرتش تطلع غير أربع كلمات بس.
«أصلك.. ماكنتيش هتلحقي تجري.»
الحاجة كاترينا قعدت تصرخ وتبكي بحرقة.
سعاد حسّت إن البكاء ده ملوش لازمة.
وبعدين السماء الرمادية بتاعة شهر عشرة اتطبقت على عينها.
وآخر حاجة سمعتها كانت الحاجة كاترينا وهي بتزعق وتجعر في الكل إنه لو البنت دي ماتت، هيخرب بيوتهم كلهم.
#حكايات_شروق_خالدسعاد فتحت عينها بالعافية.
المكان ماكانش الشارع، ولا كانت الرخامة الساقعة بتاعة الكنيسة.
كانت أوضة بيضا زي القشطة، ريحتها مطهر وأجهزة بتكتك في الهدوء، وشريط مغذي نازل في إيدها.
أول ما حركت صوابعها، حسّت بجسمها كله مشدود وجنبتها محروقة نار.
«أوعي تتحركي يا بنتي!»
الصوت جه من جنب السرير. سعاد لفت رأسها بالراحة، لقيت الحاجة كاترينا قاعدة على كرسي جلد ضخم، لابسة أسود في أسود، وفي إيدها سبحة عاج بتفر في صوابعها. وشها كان باين عليه التعب، بس عينيها فيها طاقة حزن وقوة تخوف.
«أنا.. أنا فين؟» سعاد طلعت الكلمة بالعافية، حلقها كان ناشف زي الحطب.
«أنتِ في أمان الله وفي حمايتي يا سعاد.. في أحسن مستشفى في مصر، ومحدش يقدر يمس منك شعرة.»
الباب اتفتح بالراحة، ودخل راجل طويل، عريض، لابس بدلة سوداء كاملة من غير كرافتة. ملامحه كانت حادة زي السيف، وعينيه دبلانة من السهر بس فيها شرر.
سعاد أتعرفت عليه فوراً.. ده المعلم «دومينيك» أو «البرنس» زي ما السوق كله بيكلمه. الراجل اللي كلمته سيف على المنطقة كلها، واللي الكل بيعمله ألف حساب.
دومينيك بصلها، وقرب خطوات موزونة لحد ما وقف عند رجلي السرير. بص لـ أمه الأول، وبعدين بص لسعاد بنظرة غريبة.. نظرة حد مش متعود يدي إمتنان لحد، بس المرة دي كان حاسس إنه مديون بحياة أغلى حاجة عنده.
«الدكاترة طلعوا الأربع رصاصات.. والخامسة عدت من الجنب بالستر.» دومينيك قالها بصوت واطي ومكتوم زي الرعد البعيد. «الطب الشرعي قال إنك لو ماكنتيش اترمتي عليها.. كان زماني بآخد عزا أمي النهاردة.»
سعاد بلعت ريقها: «ده واجب يا معلم.. أي حد مكان كانت هيعمل كده.»
دومينيك هز رأسه بنفي قاطع: «لا.. محدش بيترمي قدام الرصاص عشان حد مايعرفوش. الناس كلها بتجري وتستخبى يا سعاد.. أنتِ الوحيدة اللي وقفتِ.»
الحاجة كاترينا مسكت إيد سعاد الباردة وضميتها بين إيديها: «من النهاردة أنتِ بتني.. ومحل الحلويات بتاعك اللي اتدشمل في الضرب، وهيئتك، وعيلتك، كلهم برقبتي وبرقبة دومينيك.»
سعاد كانت فاكرة إن الموضوع خلص عند كده، إنها مجرد بنت غلبانة عملت موقف جدعنة وخلاص. بس ماكنتش تعرف إن الضرب ده ماكانش عشوائي، وإن اللي أجر العيال يضربوا نار، كان واحد من دراعات دومينيك اليمين.. حد من جوه الكار، فاكر إن بموت الست الكبيرة، الهيبة هتتكسر والمجال يفضاله.
بعد أسبوعين، لما سعاد بدأت تقف على حيلها، اتنقلت لقصر العيلة عشان تكمل علاجها. هناك، كانت الملاحظة شغلانتها القديمة في مخبزها.
سعاد كانت بتشوف وتسمع.
قعدة العيلة، حركة الحراس، النظرات اللي بتتبادل بين المعلمين الصغار لما دومينيك يدخل.
في يوم، كانت سعاد قاعدة في الجنينة بالليل وبتشرب شاي مع الحاجة كاترينا، ولمحت «عزت».. الراجل اللي دومينيك بيعتمد عليه في كل كبيرة وصغيرة.
عزت كان واقف ورا الشجر، بيتكلم في التليفون بصوت واطي وموتر، وبيقول: «البت دخلت القصر وبتشوف كل حاجة.. الترتيبة القديمة باظت، لازم نخلص الموضوع قبل ما المعلم يقلب في القديم!»
سعاد دمها اتجمد.
ما جرتش ولا صرخت.. اتعلمت إن الخوف ما بينجيش.
استنت لما عزت مشي، وقامت بالراحة، دخلت لمكتب دومينيك.
دومينيك كان قاعد ورا مكتبه الخشب الضخم، قدامه سجاير وملفات مفتوحة ووشه مشدود.
«معلم دومينيك..»
رفع عينه بتعب: «خير يا سعاد؟ محتاجة حاجة؟»
«عزت هو اللي ورا ضرب النار بتاع الكنيسة.»
دومينيك سكت. السجارة اتشنجت في إيده، وعينيه أتقلبت لليل كحل: «أنتِ بتقولي إيه؟ عزت ده دراعي اليمين بقاله عشر سنين!»
«عزت كان واقف في الجنينة حالا بيكلم حد.. وبيقول إن دخولي القصر بوّظ الترتيبة القديمة، ولازم يخلصوا القصة قبل ما أنت تفحّص.»
دومينيك قام وقف بطوله. الهيبة والشر اللي في عينيه خلت الأوضة تبرد في ثانية. ما سألهاش عن دليل.. كان عارف إن البنت اللي خدت خمس رصاصات عشان أمه، مش هتكذب عليه.
في نفس الليلة.. الاتفاقية اللي كانت معموله عشان يصفوا دومينيك اتكشفت.
عزت لاتلم ولا اتلحق.. والرجال اللي كانوا فاكرين القصر مخترق، اتفاجئوا إن المعلم كان مستنيهم على باب المزرعة القديمة، ومسح بيهم وبخيلهم الأرض.
بعدها بـ شهر..
المخبز الصغير بتاع سعاد اتفتح تاني، بس المرة دي بقى أكبر مصنع حلويات شرقية وغربية في القليوبية والقاهرة كلها.
وفي يوم الافتتاح، الشارع كله كان مقفول بعربيات سوداء فامية.
دومينيك كان واقف بنفسه على باب المصنع، حاطط إيده في جيبه، ويوسف ورجالته واقفين وراه زي الألف.
والحاجة كاترينا كانت قاعدة في صدر المكان، لابسة الدهب وبتوزع شربات على الناس وتقول: «ده محل سعاد النادي.. بنت الحاجة كاترينا، واللي يفكر يضايقها في أكل عيشها، يبقى بيقطع رقبتين!»
سعاد كانت واقفة بتمسح إيدها في المريلة الجديدة، وبصت للشارع وللناس اللي كانوا زمان بيتجاهلوها ويرموا عليها الكلمة.
البنت الغلبانة اللي كانت بتزوق التورتة ست ساعات في الشارع.. بقت المسمار الحامي في إمبراطورية العطار، والوحيدة اللي الكبار كلهم بيقفوا أول ما تدخل عليهم الأوضة.
#حكايات_شروق_خالدمرت سنتين على يوم افتتاح المصنع الكبير..
السوق كله اتغير، وسعاد النادي مابقيتش مجرد البنت اللي بتعمل كاساتا وتورت، بقت «حاجة سعاد».. اسم يزن دهب في كفر الشرفا ووسط البلد كلها.
المصنع بقى يورد لأكبر فنادق القاهرة، والتجار اللي كانوا زمان بيستقلو بيها وبشغلها، بقوا يقفوا طوابير تحت مكتبها عشان يخدوا منها بضاعة بالآجل.
بس اللي ما اتغيرش.. هي الوقفة اللي بينها وبين بيت العطار.
في يوم، كانت الساعة داخلة على واحدة بالليل. سعاد كانت قاعدة في مكتبها في المصنع، بتراجع فواتير الصنع مع المحاسب، لما باب المكتب اتفتح فجأة من غير خبط.
دخل دومينيك..
ماكانش لابسه بدلة الشغل ولا الهيبة المعتادة. كان لابس قميص أسود متشمّر، وشه مطفي، وفي عينيه قلق أول مرة سعاد تشوفه فيه من يوم محاولة اغتيال أمه.
سعاد شاورت للمحاسب يخرج وسحبت الباب وراه.
«خير يا معلم دومينيك؟ في حاجة حصلت للحاجة؟»
دومينيك قعد على الكرسي اللي قدام مكتبها، حط إيديه الاثنين على وشه وأخد نفس ثقيل:
«الحاجة كويسة يا سعاد.. المشكلة عندي أنا.»
سعاد سابت القلم من إيدها وبصلتله بتركيز:
«خير.. قولي فيه إيه؟»
«شحنة الخشب الكبيرة اللي جاية من ميناء إسكندرية.. الورق بتاعها اتضرب في الجمرك. فيه حد مسرّب معلومات الداخلية عن المراكب، والشرطة حاطة إيدها على البضاعة.. لو الشحنة دي راحت، السوق كله هيتهز، ومجلس الكبار هيطالبني بتعويض يكسر ضهري.»
سعاد فكرت ثواني.. مخها اللي كان زمان محصور في سعر كيلو السكر والدقيق، اتعلم في سنتين إزاي يقرأ اللعب في الكار ده.
«أنت شاكك في حد من رجالتك؟»
دومينيك هز رأسه بنفي: «الورق ده ما بيمسكوش غير تلاتة بس.. أنا، وهاني، والمحامي.»
سعاد سكتت، افتكرت حاجة كانت لمحتها الأسبوع اللي فات لما كانت في القصر بتزود أدوية الحاجة كاترينا.
«المحامي يا دومينيك..»
دومينيك رفع عينيه بحدة: «الأستاذ فاروق؟! ده شغال مع أبويا الله يرحمه بقاله تلاتين سنة!»
«فاروق ابنه اتخرج من بره ومزنوق في قضايا بورصة في دبي بمليارات.. الأسبوع اللي فات سمعته بيتكتم في التليفون في الجنينة الخلفية وكان بيقول (البضاعة هتتمسك في الجمرك أول ما تدبسوا فيها المعلم).. أنا ماكنتش فاهمة يقصد إيه ساعتها، بس دلوقتي الصورة كملت.»
دومينيك اتشنج في مكانه. العروق في رقبة نطت، وفي ثانية واحدة تحول الراجل الهادي لبركان على وشك الانفجار.
سعاد قامت وقفت وجابتله كوباية مية حطتها قدامه:
«اشرب الأول وتصرف بعقل.. الغشيم بيكسر حاجته بإيده يا دومينيك. لو نزلت عليه دلوقتي، هيحرق بقية الورق والبضاعة هتروح عليك.»
دومينيك بص لكوباية المية، وبعدين بص لسعاد.. النظرة اللي فيها اندهاش من البنت اللي خدت الرصاص مكان أمه، والنهاردة بتنقذ ملكه للمرة الثانية بمنتهى الثبات والهدوء.
«طب والعمل؟» سألها وكأنه بيسأل شريكه المالي.
«العمل بسيط.. فاروق فاكر إنك ما تعرفش. بكرة الصبح في اجتماع مجلس التجار، هتطلب منه يقدم طعن مباشر في الجمرك بنفسه كوكيل عنك.. وتخليه يوقع على التزام شخصي ببند جزائي. لو هو اللي سرب، هيترعب ويحاول يهرب البضاعة بطريقته الخاصة، وساعتها هتصيده متلبس هو واللي وراه من منافسينك.»
دومينيك ابتسم ابتسامة حادة زي الموس.. ابتسامة راجل رجعله حقه قبل ما يضيع.
قام وقوف، وقرب من مكتبها وحط إيده على الخشب:
«أنتِ خسارة في الحلويات يا سعاد.. أنتِ كان المفروض تمسكي وزارة المالية.»
سعاد ابتسمت بهدوء: «أنا حمايتكم برقبتي يا معلم.. زي ما أماني برقبتكوا.»
بعد أسبوع بالضبط..
كانت الشحنة مقفولة ومأمنة في مخازن دومينيك، وفاروق المحامي والناس اللي وراه اتسحبوا في السكات للنيابة بتهم خيانة أمانة وتزوير رسمي.
في ليلة الجمعة، القصر كان منور، والحاجة كاترينا عاملة عزومة كبيرة للشارع كله بمناسبة نجاة تجارتهم.
سعاد كانت واقفة مع الحاجة كاترينا في الصالة الرئيسية، ولابسة فستان كحلي أنيق وراقي، الدهب بيهتز في رقبتها مع كل خطوة.
دومينيك دخل من باب القصر، كان لابس بدلة جديدة كحلي نفس لون فستان سعاد.. مشي بخطوات رزينة لحد ما وقف قدامهم.
مسك إيد أمه وباسها، وبعدين التفت لسعاد وبص في عينيها قدام الحارة والتجار والكبار كلهم:
«من سنتين يا سعاد.. اترمت رصاصة وكان المفروض تنهي عيلة العطار. بس ربنا بعتك عشان تبقي السند والظهر.»
طلع علبة مخملية حمراء من جيبه، وفتحها قدام الكل.. كان فيها خاتم ألماض حر بيلمع تحت نجف القصر.
الحاجة كاترينا زغردت بصوت أعلى من أي وقت فات، والتجار كلهم بدأوا يصفقوا ويهتفوا باسم المعلم.
دومينيك قال بصوت واطي ودافئ سمعته سعاد لوحدها:
«تقبلي تبقي ست القصر ده يا سعاد؟ وتقبلي تشيل الإمبراطورية دي معايا طول العمر؟»
سعاد بصت للخاتم، وبصت للست الكبيرة اللي أتبنتها، وللراجل اللي تحول من هيبة تخوف لأمان وبيت وسند..
ابتسمت وقالت بثبات:
«مواقفة يا معلم.. موافقة جداً.»
#حكايات_شروق_خالدمرت الأيام والشهور، والمنطقة كلها شهدت على أكبر ليلة فرح دخلت تاريخ وسط البلد كفر الشرفا.
الفرح ماكانش مجرد ليلة وخلاص، ده كان كرنفال اتنصبت فيه الموائد من أول الشارع لأخره. المعلم دومينيك قفل المنطقة تلات أيام، والذبائح لله وللغلابة، وشركاء الكار وكبار السوق جم من كل المحافظات عشان يباركوا لـ «البرنس» وست حسنه «الحاجة سعاد».
سعاد كانت واقفة بالفستان الأبيض الملكي اللي اتفصل لها مخصوص، جنب الحاجة كاترينا اللي كانت طايرة من الفرحة وتوزع الشربات بنفسها وتزغرد. ولأول مرة في حياتها، سعاد حسّت إن كل جرح وكل رصاصة أكلت في جسمها زمان، كانت الثمن اللي اندفع عشان توصل للحظة العوض دي.
بعد الفرح، القصر اتغيرت روح الدفا فيه.
سعاد مابقتش بس زوجة المعلم، دي بقت العقل المفكر للشغل كله.
دومينيك سلمها إدارة الجزء المالي والاستثماري لمجموعة العطار بالكامل. مسكت الدفاتر، نظمت المخازن، وطورت المصنع القديم حتى بقى مؤسسة لإنتاج الحلويات والسلع الغذائية بتصدر للخارج، وكل ده بعقلية بنت البلد الجدعة اللي عارفة قرش الحلال بييجي إزاي وبيتحافظ عليه إزاي.
أما دومينيك.. فالراجل اللي كان وشه صخر وعينيه مش بتعرف الرحمة، بقى أول ما يدخل من باب القصر بالليل ويرمي جلبابه أو بدلته، يروح يقعد عند رجلي سعاد والحاجة كاترينا، يضحك ويهزر ويسمع شورتهم في الصغيرة قبل الكبيرة.
وبعد سنة من جوازهم..
كانت العيلة كلها مجتمعة في الجنينة الخلفية للقصر في سهرة صيفية دافية.
الحاجة كاترينا قاعد بتفر في سبحتها العاج، ودومينيك ماسك أوراق الشغل بيبص فيها مع سعاد اللي كانت قاعدة جنبه ولابسة عباية استقبال راقية.
فجأة، سعاد سحبت الورق من إيده بالراحة وابتسمت ابتسامة هادية.
دومينيك رفع عينه باستغراب: «خير يا سعاد؟ في حاجة غلط في الحسابات؟»
سعاد حطت إيدها على إيده وابتسمت: «الحسابات كلها مظبوطة بالمليم يا معلم.. بس أنت محتاج تفضي نفسك الشهرين الجايين دول.»
دومينيك حجب حواجبة: «أفضي نفسي ليه؟ فيه شحنة جديدة جاية؟»
سعاد بصلت للحاجة كاترينا، وبعدين بصت في عين دومينيك وقالت بنبرة مليانة دفا وحنان:
«عشان فيه وليّ العهد جاي في السكة.. ولازم أبوه يكون فاضيلنا شويه.»
الأوراق وقعت من إيد دومينيك.
الراجل اللي بيقف قدام التُجار والحديد والحديد يلين قدامه، عينيه دمعت في ثانية. قام من مكانه ونزل على ركبه قدام سعاد، ومسك إيدها وباسها بلهفة ورجاء مش مصدق.
الحاجة كاترينا زغردت بعلو صوتها في القصر، والدموع نزلت من عينها وهي بترفع إيدها للسماء وتدعي: «الحمد لله يا رب.. الحمد لله اللي عوضت صبري، والحمد لله اللي بعتلي سعاد ترد الروح لبيتي وعيلتي.»
دومينيك ضم سعاد لصدره بحنية، ووشوشها في أذنها بكلمات طالعة من أعماق قلبه:
«من يوم ما خدتي الرصاصة مكان أمي يا سعاد.. وأنا عرفت إن ربنا بعتلك عشان تبقي عمرنا وحياتنا.. النهاردة الإمبراطورية دي كلها كملت، وبقى ليها ملكة ووليد هيحمل اسمنا.»
سعاد سندت رأسها على كتفه، وبصت للسماء الرمادية اللي كانت زمان بتخوفها في ليلة المطر، وشافتها النهاردة منورة بالنجوم..
عرفت إن بنت المخبز الغلبانة اللي محدش كان عامل لها حساب، بقت هي العصب والأمان والروح اللي بتنضب في قلب إمبراطورية العطار كلها.
#حكايات_شروق_خالد

