صفقة العفريت ج2 .حكايات شروق خالد

مسكت إيده، وكانت ناشفة كأنها قطعة خشبة من كثرة الشغل والحديد، بس دافية. مسكت معصمه وأنا بحاول أفتكر الرسمة اللي كانت في الصفحة أربعمية وعشرين في كتاب العلاج الطبيعي.
“أنا مش هضغط على رجلك خالص يا معلم،” قلتله بصوت هادي وأنا بحرك صوابعي على طول دراعه لحد كتفه. “هنبدأ من هنا.. العضلة العريضة بتاعة الضهر والكتف. لما الأعصاب تحت بتتأثر، حمل الجسم كله بينزل على الكتف عشان تزق الكرسي، والكتف لو اتيبّس.. جسمك كله يربس.”
رفع حاجب واحد، ورجالته واقفين بيبصوا بذهول.. المعلم إبراهيم “العفريت”، اللي كان لو حد بص في عينه يترعب، ساب عيل عنده أربعتاشر سنة يمسك دراعه ويتحكم في حركته.
“ارفع دراعك معايا بالبطيء يا معلم.. متزقش.. سيب دراعك ليا خالص.”
بدأت أعمله تمارين إطالة بسيطة جداً للكتف والرقبة، حركات خفيفة تزود تدفق الدم. في أول دقيقة، شفت حسة وجع صغيرة مرت في عينه، بس هو كابر وما نطقش. بعد خمس دقائق بس من الإطالة الصحيحة، إبراهيم أخد نفس عميق وطويل، كأنه كان كاتم نفسه بقاله خمس سنين.
“يا ابن اللعيبة..” قالها بصوت واطي وهو بيبص لدراعه اللي الحركة فيه بقت أخف وأسلس.
بص للرجالة وقال: “درش! شيكو! تعالوا هنا.”
الراجلين قربوا بسرعة، بصلهم إبراهيم وقال بصوت آمر: “من النهاردة، الواد حسن ده ابن القهوة دي. الواد ده ليه سرير في الأوضة اللي فوق القهوة، وأكله وشربه ولبسه عليا. واللي يلمس منه شعرة، أقطعه.”
الدمعة كانت هتفر من عيني، بس مسكت نفسي بالعافية ووقفت مشدود.
مرت الأيام، والأسابيع، والشهور.. الأوضة الفاضية فوق القهوة بقت بيتي. بقى عندي هدوم نظيفة، وكوتشي جديد، وبقى عندي سرير أنام عليه من غير ما أخاف من برد الشارع. وفي المقابل، كنت كل يوم الصبح أصحى مع الفجر، أعمل المعايشة والتمارين مع المعلم إبراهيم.
ما معجزة حصلت وقام مشي على رجله، لأن النخاع الشوكي كان متضرر فعلاً.. بس جسمه العلوي بقى زي الحديد، قوته رجعت أضعاف، دراعاته وبطنه وضهره بقوا شايلينه بسلاسة، وجعه المالي جسمه اختفى، ورجعتله هيبته وصحته اللي كانت بتتسحب منه وهو قاعد على الكرسي.
بعد أربع سنين.. وأنا عندي ثمانية عشر سنة، كنت قاعد على نفس الطاولة في القهوة، بس المرة دي قدامي كتب كلية العلاج الطبيعي بجامعة القاهرة، اللي إبراهيم العفريت دفعلي مصاريفها ومصاريف الدروس والكتب قرش ينطح قرش.
جالي المعلم إبراهيم، زق كرسيه بنفسه بقوة وسرعة، ووقف جنبه على الترابيزة، وحط قدامي مفتاح موتوسيكل جديد بيبرق.
بصلي وابتمس ابتسامته الناشفة اللي بقت دافية وقال: “مبروك يا دكتور حسن.. الكيس الورقي المكسر اللي جيت بيه من أربع سنين، طلع أتقل من كل الفلوس اللي كانت معايا.”
#حكايات_شروق_خالدمسكت مفتاح الموتوسيكل وأنا مش مصدق. عينيا راحت بين المفتاح وبين إبراهيم العفريت، اللي كان قاعد على كرسيه ورافع راسه لفوق، بصحة وهيبة رجعوا له أحسن من الأول بمراحل.
“ده كتير عليا يا معلم…” صوتي كان مخنوق بالدموع.
إبراهيم خبط بقبضته القوية على الطاولة: “مفيش حاجة اسمها كتير على دكتور القهوة والدائرة كلها! المفتاح ده عشان تروح بيه الكلية وترجع، مش عاوزك تفوت محاضرة واحدة. وإنت راجع، تعدي على الورشة والمقر، هتشوف حال حالات درش وشيكو والرجالة، وتتابع علاجهم.”
القهوة كانت اتحولت بالتدريج لمركز أمل؛ كل سواق من عتاولة الموتوسيكلات يُصاب في حادثة أو ضهره يوجعه من الشغل، كان بيجي لـ “الدكتور حسن” قبل ما يفكر يروح لأي دكتور تاني. كنت بأطبق عليهم اللي بأتعلمه في الكلية الصبح، وأرجع أطبقه بكتبي ومراجعي بالليل.
عدت السنين، واتخرجت من كلية العلاج الطبيعي بتقدير امتياز. يوم التخرج، القهوة كلها كانت حاضرة في المدرج؛ عتاولة الموتوسيكلات بفيستاتهم الجلد وهيبتهم كانوا قاعدين في أول صف، وإبراهيم العفريت في وسطه بكرسيه المتحرك، سقفوا وهيصوا بصوت هز القاعة لما اسمي اتنادى.
بعدها بكام شهر، وبدعم من إبراهيم اللي باع جزء من أملاكه ومحلات قطع الغيار، فتحنا أكبر مركز متخصص لإعادة التأهيل والعلاج الطبيعي لإصابات الحوادث والعمود الفقري في المنطقة، وخلينا جزء منه مجاني بالكامل لأي حد ما حيلتوش جنيه.
في يوم افتتاحي للمركز، وقفت عند الباب الرئيسي. بصلت للوحة الرخام اللي مكتوب عليها الاسم، ورجعت بذاكرتي لسنين ورا.. افتكرت العيل اللي كان عنده أربعتاشر سنة، اللي كان ماشي في الشارع بحذاء دايب وكيس ورقي مكسر ومعدة فاضية بتتألم من الجوع.
قرب إبراهيم بكtop كرسيه ووقف جنبي، وطبطب على كتفي بيده القوية وقال: “فاكر الكيس الورقي يا حسن؟”
ابتسمت وطلعت من جيبي كيس ورقي قديم ومجعد، كنت محتفظ بيه في مكتبي طول السنين دي عشان يفكرني دايماً أنا بدأت منين.
قلتله: “الكيس ده هو اللي علمني إن الفقر ممكن ياخد منك كل حاجة، إلا اللي جوة دماغك… وإن أجدع صفقة في العمر، هي الصفقة اللي بتبدأ بكلمة علم.”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *