زبالة الفندق والظرف الملعون ج1 .حكايات شروق خالد
كان بيبعت آلاف الجنيهات كل شهر عشان مصاريف بنته، وفجأة المأساة كشفت نفسها لما شافها بتدوّر على أكل في زبالة فندق!
اللي كان مستني ورا باب المطبخ أثبت إن أكتر واحدة وثق فيها في حياته كانت بتدمّر عيلته وبتهدّ بيته من سنين.
أحمد الصاوي واقف في حوش الخدمة بتاع الفندق، وفجأة سمع صوت جي من جنب صفيحة الزبالة بيقول بخفوت: «بابا؟»
في اللحظة دي، كل حاجة كان فاكرها صح في حياته أتعجنت واتهدّت فوق دماغه.
المطر كان بينزل خفيف وبيلمع على الإسفلت المظلم ورا فندق «جراند حياة»، ومخلي الأرض زي المراية السودة تحت أضواء المطبخ. البخار طالع من الباب الصاج المفتوح، وصوت الكمانجات والضحك العالي طالع من القاعة فوق، حيث المئات من المعازيم والضيوف بيحتفلوا بعيد ميلاد «الحاجة فاطمة الصاوي» السبعين تحت النجف الكريستال.
أحمد واقف مسمار في بدلتة الغالية، مش قادر يتحرك ولا يصدق عينه.
على بعد كام خطوة، كانت واقفة بنت صغيرة ماسكة كيس بلاستيك شفاف مليان بواقي عيش مرمي وحلويات محدش قربلها.
نور.
بنته.
اللي ماشافهاش من تلات سنين.
شعرها البني ناعم ومبلول نازل على وشها الدبلان. الفستان البمبي اللي لابساه يبان إن كان حلو زمان، بس الديل مصلّح بإيدين متخيطة على الإيد، وفردة جزمتها مقطوعة ومفقوعة من الجنب.
النفس اتقطع من أحمد.
«نور؟»
بصلته بعينين كبار وساعين، أزرق في رمادي.
وبعدين نزلت الكيس للأرض كسوفة ومكسورة.
أحمد نزل على ركبته على الأسفلت المبلول.
بنطلون البدلة الغالي شرب المية في ثانية، بس هو ولا حس بأي حاجة.
مد إيده ناحيتها، وتردد يلمسها، وبعدين همس وهو مش مصدق: «بتعملي إيه هنا يا نور؟»
بصت نور ناحية صناديق الزبالة وقالت بصوت مكسور:
«عمال المطبخ رموا أكل نضيف.»
«عشان مين؟»
مسكت الكيس بتعتير وتطبّق أطراف أصابعها:
«عشان ماما.»
المزيكا والضحك شغالة فوق في القاعة ولا على بالهم.
في حتة جوه، صينية اتدششت من إيد سفرجي وضحكوا.
أحمد حس إن جبل نزل على صدره وإنه غرقان في أعمق نقطة في البحر.
«أمك هي اللي بعتتك؟»
هزت نور رأسها بسرعة:
«لا.. هي ماتعرفش إني جيت.»
«أمال جيتي ليه يا بنتي؟»
«عشان هي بتقولي إنها شبعت وأكلت خلاص..»
صوت نور كان واطي قوي، أحمد اضطر يقرب منها عشان يسمع.
«..بس أنا عارفة إنها ماأكلتش. هي بتديني أكلها لما الأكل مايكفيناش احنا الاتنين.»
حاجة باردة ومرعبة اتفتحت جوا قلب أحمد.
تلات سنين كاملين.. أحمد بيحول كل شهر خمسين ألف جنيه على حساب تحت إيد أمه، الحاجة فاطمة.
وكانت أمه دايماً بتأكد له إن الفلوس دي رايحة لإيجار شقة نور، ومصاريف مدرستها، ولبسها، ولدكاترتها، وكل حاجة ممكن أمها «مريم» تقصر فيها.
صدقها.
ما هو يصدق مين لو مامأمنش للست اللي ربته؟
سألها بالراحة وبحذر وهو خايف من الإجابة: «الفلوس اللي بابا بيبعتها لماما فين يا نور؟»
نور بصت له باستغراب وشك:
«فلوس إيه؟»
قلب أحمد بدأ يطرق زي الطبول.
«الفلوس اللي ببعتها كل شهر.»
«هو انت بتبعتبلنا فلوس؟»
الدهشة اللي في وش البنت كانت حقيقية لدرجة تصدم.
رفع أحمد عينيه ناحية الشبابيك المنورة بتاعت القاعة فوق.
أمه قاعدة دلوقتي بتشرب الشربات وبتاكل تحت ورد أبيض مستورد يتكلف أكتر من مصاريف نور في سنة كاملة.
سألها: «أنتم عايشين فين يا نور؟»
«في بدروم.»
«بدروم إيه؟»
نور بصت للأرض:
«الحيطان بتسوّد.. ماما بتفضل تدعك فيها بس السواد بيرجع تاني. ولما المطر ينزل، المية بتدخل من تحت الباب.»
أحمد غمّض عينه ثانية واحدة.
تلات سنين تحويلات في البنك.
تلات سنين سكات.
تلات سنين فاكر إن «مريم» هي اللي هربت وباعته.
أمه قالتله زمان إن مريم وقعت على ورقة الطلاق، وكتبت جواب تسيب فيه البيت، ومشيت مع واحد تاني. أمه حذرته وقالتله إن مريم طمعانة بس مش عاوزة تشوفه، وإن لو حاول يدور على نور هتعمل فضيحة وتاخد البنت وتخرب بيت العيلة وسمعة الشركة.
وهو من حزنه وقهره.. سمع الكلام وأطاع.
والنهاردة.. بنته واقفة قدامه لامة زبالة الفندق في كيس.
«نور،» قالها وهو بيحاول يمسك أعصابه بالعافية، «أمي فين دلوقتي؟»
«في البيت.»
«هي تعبانة؟»
نور اترددت:
«بتنام كتير.»
«ليه؟»
«بتقول إنها جيلها هبوط وتعبانة.»
«وهي بتشتغل؟»
«بالليل.. ساعات بتنزل تنظف مكاتب، وساعات بتغسل أطباق في مطعم.»
أحمد قام وقف ببطء.
الدنيا كلها كانت بتدور بيه.
«تعالي وديني ليها.»
وش نور انكمش من الخوف:
«لا!»
«يا نور—»
«ماما بتقول إن عيلتك لو عرفوا طريقنا هيأذونا.»
أحمد اتسمر مكانوه: «ليه؟ مين قالها كده؟»
نور مدّت إيدها جوه الكيس البلاستيك.
بين العيش والحلويات، طلعت ظرف عاجي متطبق ومفعكش.
إدتهوله.
شعار عيلة الصاوي كان مطبوع بالختم الأحمر على ظهر الظرف.
أحمد عرف خط أمه من قبل ما يفتح الورقة.
(خُدي الفلوس دي وغوري من وشنا وماشوفش وشك تاني).
إيد أحمد اتجمدت.

