زبالة الفندق والظرف الملعون ج1 .حكايات شروق خالد

جوه الظرف مكنش فيه ورقة طلاق ولا حاجة.
كان تقرير طبي من تلات سنين فاتوا.
المريضة: مريم إبراهيم.
التشخيص: ضعف حاد ومتقدم في عضلة القلب مع مضاعفات خطيرة.
التوقع الطبي بدون علاج سريعة: من 12 لـ 18 شهر.
التقرير كان عليه إمضاء الدكتور «فؤاد»، طبيب العيلة الخصوصي.
أحمد قرأ التاريخ تاني.
التقرير ده مكتوب قبل يومين بس من اليوم اللي أمه قالتله فيه إن مريم سابته وهربت!
وفجأة.. الباب الصاج بتاع المطبخ اتفتح.
خرجت ست لافة بفستان أسود وغالي.
الحاجة «فاطمة الصاوي» كانت واقفة بمنتهى الشياكة تحت كشاف النور الأبيض. شعرها الأبيض المظبوط، والعقد اللولي المحوّط رقبتها.. مفيش على وشها أي علامة مفاجأة.
كان على وشها حاجة واحدة بس: زهق وضايقان.
قالت بنبرة حادة وهي بتبصلهم: «أحمد؟ انت بتعمل إيه هنا؟ اطلع فوق الضيوف مستنيينك.»
أحمد بص لأمه والدم جمد في عروقه. الست اللي كان بيحلف بحياتها وشايفها الجنة على الأرض، واقفة قدامه بتبرق بلوليتها وذهبها، وبنته على بُعد مترين من زبالة الفندق بتترعش من البرد والاعياء.
مسك التقرير الطبي بإيد بتترعش، وصوته طلع مبشوح وزي الصدى: «إنتِ عملتي إيه يا أمي؟ إنتِ عملتي إيه في مريم وبنتي؟»
الحاجة فاطمة بصت للبنت القزمة اللي واقفة هدمتها مبلولة ومبهدلة، وقرّفت وشها زي ما تكون شايفه حشرة. قربت خطوتين بخطوات هادية ومحسوبة بالمللي، وبصت لأحمد بمنتهى البرود وقالت: «أحمد، بلاش دراما قدام الناس. خش جوة واغسل إيدك ورجلك، والبت دي شوفلها أي عيل من بتوع المطبخ يرميها في أي توكتوك تروح مطرح ما جت. السفير والمحافظ قاعدين فوق ومستنيينك تفتح التورتة معايا.»
«تورتة؟» أحمد صرخ والرخامة اللي جواه اتكسرت، صوته هز حوش الخدمة كله وخلى عمال المطبخ يطلوا من الباب الصاج المفتوح. «تورتة إيه يا شيخة! أنا ببعت لك خمسين ألف جنيه كل شهر عشان بنتي تعيش مستورة.. بنتي بتنقب في الزبالة يا فاطمة هانم! بنتي بتاكل بواقي عيش المطبخ اللي إنتِ عاملة فيه حفلتك!»
فاطمة بصت حواليها بضيق، وغمزت للعمال يقفلوا الباب. لما الباب الصاج اتقفل والهدوء رجع للزوقاق، قربت من أحمد وصوتها بقة واطي ومسموم: «واوطي صوتك بدل ما تفضحنا! أيوة، أخدت الفلوس! وأيوة، الفلوس دي جابتلي الورد والألماظ اللي أنا لابساه! مريم دي كانت حتة بت جربانة لا أصل ولا فصل، أخدتك مني وكان لازم أخلص منها. لما عرفت إن قلبها مريض ومحتاجة عملية برة بملايين، قلت إلهي يسعدها ويسهلها، أديتها القرشين وقلتلها لو شفت وشك أو كلمتي أحمد هرميكي في السجن بفيش وتشبيه مزور، وهاخد البت منك أرميها في ملجأ!»
نور كانت واقفة ورا أحمد، استخبت في ضهره ومسكت في بنطلونه وهي بتترعش: «بابا.. يلا نمشي، التيتا دي شكلها يخوف.. يلا نروح لماما.»
أحمد نزل على ركبتيه وتنى جسمه حوالين بنته، حضنها بأقوى ما عنده. دموعه نزلت على شعرها المبلول وهو بيشم ريحتها اللي امتزجت بالمطر والشقاء. حس إنه كان أعمى وغبي، ضيع تلات سنين من عمر مراته المريضة اللي كانت بتموت بالبطيء وبتحارب عشان تطعم بنته.
وقف أحمد وهو شايل نور على إيده. مسح دموعه بظهر إيده، وبص لأمه بصة مفيهاش أي حس من الرحمة ولا الود. بصة حد بيقطع عرق ويسيح دمه.
«من اللحظة دي.. إنتِ مالكيش ابن اسمه أحمد،» قالها بصوت هادي بس أتقل من الجبال. «الشركة، والفلوس، والعمارة، والبيوت.. كل حاجة كتبتهالك هرفع عليكي قضايا حجر وخيانة أمانة وأجيبك الأرض. مش هسيبلك جنيه واحد تشتري بيه حتى كفنك.»
الحاجة فاطمة وشها اصفر والشرارة اللي في عينيها انطفت فجأة لما استوعبت إنه بتكلم بجد: «أحمد! انت بتبدي البت دي وأمها الشحاتة على أمك اللي ربتك؟ انت هتهد عيلة الصاوي عشان خاطر حتة بت؟»
أحمد ما ردش عليها. أدالها ظهره ومشي في المطر وهو ضامم نور لصدره، وبنته لافة إيديها الصغيرين حوالين رقبته.
«رايح فين يا بابا؟» سألته نور بصوت خايف.
أحمد باس راسها وقالها وهو بيجري ناحية العربية: «رايحين نجيب ماما يا نور.. رايحين نلحقها ونعالجها، ومش هنسيبها لحظة واحدة تاني في حياتنا.»
وراهم في الزوقاق، فضلت الحاجة فاطمة الصاوي واقفة لوحدها في الضلمة والمطر ينزل على فستانها الفخم والماسها، وسامعة صوت المعازيم فوق بيرهجوا ويغنوا ليها، بس هي كانت عارفة إن دي كانت آخر ليلة عز في حياتها.
#حكايات_شروق_خالد

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *