ابوكي

.
“أبوكي لقوه مي*ت إمبارح بالليل، فبلاش تعملي لنا دراما من بتوعك.”
ده كان أول كلام تقوله لي أختي “شاهيناز” الساعة ستة ونص الصبح، وأبويا قاعد على بعد أقل من متر مني في المطبخ، لابس الروب الكحلي بتاعه، بيشرب القهوة وبيخطف آخر حتة طعمية من طبقي.
أنا قعدت أبص لشاشة الموبايل ومذهولة، كأن التليفون فجأة اتعلم يشتمني!
شاهيناز تقريبًا عمرها ما اتصلت قبل الساعة عشرة.. كانت ديمًا تقول إن الصبح ده “للناس اللي معندهاش حياة”. فمنين ما شفت اسمها بينور على الشاشة والدنيا لسه ضلمة فوق التجمع الخامس، عرفت إن فيه مصيبة حصلت.
بس ما تخيلتش أبداً إن المصيبة دي هتطلع كدبة رخيصة.
أبويا، “الحاج مجدي العطار”، رفع عينه لي. كان عنده اتنين وسبعين سنة، شعره أبيض ومكعبل، ووشه هادي زي وش واحد شاف في الدنيا بلاوي كتير فما بقاش يتخض بسهولة. حط حتة عيش في بؤه وهمس لي:
“أختك العقربة دي عايزة إيه؟”
فتحت الميكروفون.
“امتى؟” سألتها.
“على الفجر كده،” شاهيناز قالتها ببرود. “عمك حاج فتحي هو اللي لقاه.”
أبويا بطل يمتغ.
عمي الحاج فتحي الديب كان أنتيم أبويا من أيام ثانوي. عملوا مع بعض ورشة قطع غيار سكاكيني كبرت وبقت شركة، ودفنوا أمي مع بعض، وكانوا بيتجمعوا كل جمعة عشان يلعبوا طاولة. ده غير إن الحاج فتحي كان عنده مكتب تجهيز جنازات في السيدة زينب. يعني لو شاهيناز كانت عايزة تحبك كدبة الموت، فاختارت الاسم الصح تماماً.
“وم*ات من إيه؟” سألتها.
اتنهدت بقرف:
“وهيفرق معاكي في إيه يا ندى؟ الراجل مات وخلاص!”
أبويا حط فنجان القهوة على الترابيزة بالراحة.
الصوت ده، صوت الفخار وهو بيلمس الخشب، جمد الدم في عروقي أكتر من أي صريج.
شاهيناز كملت:
“أنا وتامر جوزي بنخلص كل حاجة حالياً. مش محتاجة تتعبي نفسك وتيجي الشقة في الزمالك.. أصلًا احنا غيرنا الكالون النهاردة الصبح.”
سمعت ضحكة مكتومة في الخلفية.
تامر، جوز أختي. راجل صوته دايماً تحسه طالع من واحد لسه كسبان رهـان شمال.
“بتغيروا الكالون ليه؟” سألتها.
“عشان لقينا أوراق بابا،” ردت بانتصار. “شقة الزمالك، والعربية الشيروكي، وحسابات البنك.. كله بقى باسمي أنا وتامر.”
أبويا بص لي.
وأنا بصيت له.
ولا واحد فينا نطق.
وفجأة شاهيناز قالت الجملة اللي باين عليها كانت بتتمناها من سنين:


