غرباء في مهب الريح حكايات شروق خالد
سمحت لرجل مسن من المشردين بالنوم على شرفة بيتي أثناء عاصفة شديدة. وبحلول شروق الشمس، كان قد اختفى. ولكن عندما رفعت البطانية التي كان قد طواها بعناية بجوار الباب، وجدتُ شيئاً مخبأً تحت الممسحة كُتب عليه اسمي.
وفي اللحظة التي فهمتُ فيها ما تركه خلفه، اضطررتُ إلى الجلوس.
اسمي مريم.
أبلغ من العمر سبعة وأربعين عاماً.
قبل عامين، أنهى زوجي زواجنا الذي استمر واحداً وعشرين عاماً، وتركني أحاول إعادة بناء حياتي بحقيبتي سفر وابنتنا هناء البالغة من العمر ثماني سنوات.
طوال معظم فترة زواجنا، كنتُ أثق به تماماً.
الحسابات المصرفية.
المدخرات.
البيت.
كل قرار مالي.
كل وثيقة كان يمررها أمامي ويخبرني أنها إجراء روتيني.
كنتُ أوقع لأنني آمنتُ بأن هذا هو شكل الثقة بين الزوجين.
ولكنني تعلمتُ في النهاية كم يمكن أن تكون الثقة العمياء مكلفة.
بحلول الوقت الذي اكتملت فيه إجراءات الطلاق، كان زوجي السابق قد احتفظ بالبيت وبمعظم الأموال التي قضينا سنوات في ادخارها.
وتُرِكْتُ أنا وهناء مع ما يكفي بالكاد للبدء من جديد.
في النهاية، وجدتُ شقة صغيرة.
كان الإيجار ينهك ميزانيتي إلى أقصى حد ممكن، لكنني أخذتها على أي حال.
لم تكن مبهرة.
الأرضيات كانت تصدر صريراً.
المطبخ كان ضيقاً جداً.
والشرفة كانت بحاجة إلى طلاء.
لكن هناء حصلت على غرفة خاصة بها.
وكان هناك طعام في الثلاجة.
والكهرباء ظلت تعمل.
وبطريقة ما، نجحتُ في جعل المكان يشعرنا بالأمان.
ما لم تعرفه هناء أبدًا هو كم مرة بقيتُ فيها مستيقظة ليلةً بعد ليلة بعد أن تنام هي.
كنت أستلقي في السرير محدقةً في السقف، وأنا أراجع نفس الأرقام في رأسي.
الإيجار.
البقالة.
مصاريف المدرسة.
الفواتير والخدمات.
وأتساءل أي فاتورة يمكنني تأجيلها إذا حدث شيء غير متوقع.
ثم في يوم الخميس الماضي، هبت عاصفة قوية.
الأمطار كانت تضرب النوافذ بشدة.
الرياح كانت تثني الأشجار.
والرعد كان يهز الزجاج.
كنتُ أتنقل من غرفة إلى أخرى لأغلق النوافذ عندما لفتت حركتٌ ما عبر الشارع انتباهي.
كان هناك رجل مسن يتكور تحت شجرة.
كانت ملابسه مبتلة بالكامل.
وكان يمسك بحقيبة قديمة بإحكام نحو صدره وكأن كل ما يملكه في الحياة كان بداخلها.
حتى من على بعد، كان بإمكاني رؤية مدى الإرهاق الذي يبدو عليه.
كان كبيراً بما يكفي ليكون جدّاً لأحدهم.
وقفتُ هناك أراقبه لعدة ثوانٍ.
ثم فتحتُ الباب.
” يا حاج!”
رفع رأسه ونظر إليّ.
“يمكنك الدخول هنا!”
بدت تعابير وجهه وكأنه غير متأكد مما إذا كنتُ أتحدث إليه حقاً.
قلتُ مناديةً: “لدي أريكة، يمكنك البقاء هنا الليلة.”
هز رأسه على الفور رافضاً.
“لا يا بنتي، لا أستطيع فعل ذلك.”
“لا بأس، الأمر بخير.”
“لا.”
ابتسم ابتسامة ضعيفة.
“أنا أقدر ذلك، حقاً. لكنني لا أريد أن أكون عبئاً.”
حاولتُ مرة أخرى.
لكنه رفض مجدداً.
ثم تحولت عينها نحو الشرفة.
“إذا كان لا يزعجكِ…”
تردد قليلاً.
“هل يمكنني فقط الجلوس هناك حتى تعبر العاصفة؟”
كرهتُ فكرة تركه في الخارج.
لكن كان من الواضح أنه لن يقبل مكاناً داخل البيت.
لذا أعطيته ما كان مستعداً للقبول به.
أخرجتُ وسادتين.
ومنشفة نظيفة.
وطبقاً من الطعام الساخن.
وأثقل بطانية أملكها.
عندما قدمتُ له العشاء، لم يأخذه على الفور.
بدلاً من ذلك، نظر إليّ بعناية.
وقال بصوت هادئ: “يبدو أن لديكِ بالفعل ما يكفيكِ من الأعباء على كاهلكِ.”
منحته ابتسامة صغيرة.
“لا داعي للقلق بشأني.”
“هل أنتِ متأكدة؟”
“نعم.”
ثم أضفتُ:
“الليلة، لدي ما يكفي لكلينا.”
شيء ما في تعابير وجهه تغير.
أخذ الطبق.
“شكراً لكِ.”
التفتُّ نحو الباب.
ثم أوقفني.
“يا ابنتي؟”
نظرتُ للوراء.
“ما اسمكِ؟”
“مريم.”
أومأ برأسه ببطء، وكأنه يريد أن يتذكره.
“شكراً لكِ يا مريم.”
دخلتُ إلى الداخل.
قبل النوم، تفقدتُ الوضع من النافذة مرتين.
كان لا يزال هناك تحت سقف الشرفة، ملفوفاً بالبطانية وحقيبته بجانبه.
في الصباح التالي، استيقظتُ بكراً.
كانت هناء لا تزال نائمة.
بدأتُ بتحضير الشاي وأعددتُ إفطاراً بسيطاً.
ثم صببتُ كوباً إضافياً لضيفنا غير المتوقع.
مشيتُ نحو الباب.
قلتُ وناديته وأنا أفتح الباب: “صباح الخير.”
لا إجابة.
خطوتُ إلى الخارج.
كانت الشرفة فارغة.
الرجل كان قد رحل.
للحظة، وقفتُ هناك أبحث بعينيّ نحو الشارع.
ثم تعثرت قدمي بشيء ما بالقرب من العتبة.
كادت قدمي تزل.
نظرتُ إلى الأسفل.
كانت بطانيتي.
كان قد طواها بعناية.
بشكل مثالي تقريباً.
ثم وضعها بمرتبة فوق الممسحة.
انحنيتُ وإلتقطتها.
في تلك اللحظة تحركت الممسحة قليلاً.
كان هناك شيء تحتها.
في البداية، افترضتُ أن الرجل قد ترك بالخطأ أحداً من أغراضه.
ثم رأيتُ كتابةً على الواجهة.
كلمة واحدة.
مريم.
دأب قلبي فجأة ينبض بشكل أسرع.
خفضتُ نفسي وإلتقطته.
وفي اللحظة التي أدركتُ فيها ما تركه ذلك الغريب المسن تحت الممسحة، ضعفت ركبتاي.
جلستُ هناك مباشرة على أرضية الشرفة.
لأن ما تركه خلفه لم يكن مجرد بطاقة شكر.
وما حدث بعد ذلك غير ما هو أكثر بكثير من مجرد صباح يوم ممطر واحد.
#حكايات_شروق_خالدكان الشيء المتروك عبارة عن مظروف بني قديم، سميك ومغلق بعناية، كُتب عليه اسمي بخط يد واضح وثابت.
فتحتُ المظروف بأصابع مرتجفة.
في الداخل، لم تكن هناك أموال، بل كانت مجموعة من الأوراق الرسمية القديمة، وعقد ملكية مجهول، ورسالة مطوية مكتوبة بخط اليد.
فتحتُ الرسالة وقرأت:
«يا ابنتي مريم..
أنا اسمي إبراهيم. قد ترينني اليوم مجرد رجل مسن طرده الزمان إلى الشارع، لكنني قبل أعوام كنتُ أملك الكثير. الشقة التي تسكنين فيها اليوم، والعقار بالكامل، كان ملكاً لي قبل أن يحتا ل عليّ ابن شقيقي ويستولي على عقود الملكية مستغلاً كبر سني وعدم قدرتي على الحركة، ثم رماني في الشارع بعد أن أخذ كل شيء.
طوال سنتين، كنتُ أبحث عن محامٍ أمين أو شخص يحمل لي خيط أمل ليسترد لي حقي، لكن الجميع استغلوا ضعفي. الليلة الماضية، عندما فتحتِ بابكِ وأطعمتِني دون أن تسألي عن هويتي، وعندما رأيتُ الخوف والهمّ في عينيكِ ولكنكِ آثرتِ الكرم، علمتُ أن الله أرسلني إليكِ.
الأوراق التي بين يديكِ هي العقد الأصلي للعقار، ومعه إعلام وراثة وشهادات إثبات ملكية موثقة ومحفوظة باسمي لم يستطع ابن شقيقي الوصول إليها. أنا رجل اقتربت أجلي، ولا أملك من أورثه سوى ابنة رحيمة مثلكِ. لقد أتممتُ توكيلاً رسمياً بنقل ملكية هذه الشقة باسمكِ، ومرفق معه إقرار بذمتي المالية يهبكِ هذا الجزء من حياتي.
استردي حقكِ وحقي من هذا العالم الصلب.»
حدقتُ في الأوراق وأنا غير مصدقة.
تواصلتُ في نفس اليوم مع محامٍ أظهرتُ له المستندات. وبعد مراجعة الدفاتر والمشاورات القانونية، تبين أن الأوراق صحيحة تماماً وتثبت ملكية الحاج إبراهيم للعقار بالكامل، وأن عقد الإيجار الذي كنتُ أدقّ به ميزانيتي الشهرية كان يُدفع لشخص لا يملك المكان أساساً.
خلال أشهر قليلة، وبمساعدة القانون، تم تصحيح الأوضاع. لم أعد مجرد مستأجرة خائفة من الغد؛ بل أصبحتُ أملك السقف الذي يأويني أنا وابنتي هناء، واسترددتُ كل الجنيهات التي دُفعت كإيجار باطل.
بحثتُ عن الحاج إبراهيم في كل مكان، في الشوارع وفي دور الرعاية، لأرد له الجميل وأوفر له مكاناً يليق بشيبته، وعلمتُ بعد فترة أنه انتقل إلى دار رعاية راقية بتبرع من فاعل خير قبل أن يرحل بسلام، بعد أن ترك لي أثراً لا يُمحى.
في ذلك الصباح الممطر، لم أكن أقدم مجرد طبق طعام وبطانية لغريب.. بل كنتُ أزرع معروفاً في أرض الله، فردّه الله لي سنداً وأماناً لي ولابنتي في أحلك أوقات حياتنا.



