صرخة في المطعم#حكايات_شروق_خالد
«لم يتحدث أطفالي التوائم الثلاثة -الذين بلغوا سنتين من العمر- بكلمة واحدة قط، ولا حتى كلمة “بابا”، إلى أن مرت بطاولتنا نادلة مرعوبة، ليصرخ الثلاثة فجأة: “ماما”. وبعد أربعين دقيقة، كنت أُحدّق في صورة أمنية قديمة من المستشفى تُلمّح إلى أن المرأة التي دفنتُها على أنها زوجتي، قد لا تكون نورهان على الإطلاق.
اسمي طارق الألفي.
على مدار عامين، أخذت مريم، وفريدة، ونور إلى كل طبيب متخصص كان بوسع المال الوصول إليه.
كنّ يفهمنني.
يضحكن.
يبكين.
يحببن.
لكنهن لم ينطقن بكلمة قط.
ثم مرت هناء مرسي بطاولتنا في المطعم.
همست مريم: “ماما”.
توقف قلبي.
رددت فريدة: “ماما”.
ومدت نور ذراعيها الاثنين نحو هناء: “ماما!”
تحطمت صينية هناء على الأرض: “أنا لا أعرف هؤلاء الأطفال.”
قلت لها: “تعالي هنا.”
تراجعت إلى الخلف: “لا.”
تجمد كل حارس في المطعم.
ثم بدأت نور بالبكاء بصمت.
تغير شيء ما في وجه هناء.
اقتربت خطوة: “ما هي أسماؤهن؟”
“مريم. فريدة. نور.”
جثوت على ركبتيها: “مرحباً يا مريم.”
توقفت مريم عن البكاء فوراً.
أخافني ذلك أكثر من أي شيء آخر.
أفرغتُ المطعم من الحضور.
ثم أريتُ هناء صورة لزوجتي: “نورهان الألفي.”
حدقت هناء فيها: “هل توفيت؟”
“في الليلة التي ولدن فيها.”
وفجأة، ركضت نور إلى أحضان هناء: “ماما.”
تبعتها فريدة، ثم مريم.
لمسن شعرها، وخدودها، وملابسها، كأطفال يتذكرون شيئاً تعجز عقولهم عن تفسيره.
ثم أشارت مريم نحو رقبة هناء: “حلوة.”
كلمة ثانية.
سحبت نور ياقة هناء جانباً، فظهرت ندبة باهتة على شكل هلال أسفلها.
تسمّرت في مكاني: “من أين حصلتِ على هذه؟”
“حادث.”
“متى؟”
انقبضت ملامح وجهها: “لا أعلم. فقدتُ ذاكرة عدة سنوات بعد حادث سيارة.”
طلبتُ على الفور السجلات الطبية القديمة لنورهان.
كان هناك شيء خاطئ؛ لم تكن هناك صورة مرفقة بملف هويتها الشخصية.
والأسوأ من ذلك، أنني لم أتعرف شخصياً على جثتها قط؛ فقد كنت فاقداً للوعي بعد تعرضي للإطلاق نار في الليلة نفسها، وشخص آخر هو من وقّع على الأوراق.
ثم أخبرتني هناء باسم والدها: مدحت مرسي.
تجمد الدم في عروقي؛ فقد كان يعمل في أمن المستشفى الخاص الذي قيل إن نورهان توفيت فيه.
وبعد دقائق، استعاد رجالي صورة أمنية قديمة.
كان مدحت مرسي يسير في ممر المستشفى، وإلى جانبه تجلس امرأة على كرسي متحرك.
كان وجهها مخفياً، ولكن على رقبتها ندبة على شكل هلال؛ الندبة نفسها التي غطتها هناء للتو.
هزت رأسها: “هذا مستحيل.”
نظرتُ إلى بناتي وهن يتشبثن بها، وقلت بلهجة هادئة: “لا.”
“ماذا؟”
“لقد كذب أحدهم علينا كلينا.”
ثم شدّت مريم بنطالي، فجثوت على ركبتي.
أشارت إلى هناء: “ماما.”
ثم وضعت يدها الصغيرة على صدري، وأعطتني أخيراً الكلمة التي انتظرت سنتين لأسمعها:
“بابا.”

