الكيس الموف وبنات روز حكايات شروق خالد
“لو محدش منكم عاوز البنات دول، أنا هوديهم الملجأ يوم الإتنين الصبح. أنا مش هرمي اللي باقي من عمري عشان مراتي ماتت!”
الراجل اللي قال الكلمتين دول هو جوز بنتي، وكان واقف بيقولهم بكل بجاحة جنب خشبة غسلها وفي عز جنازتها!
لا قالهم في السر..
ولا وهو بيعيط..
ولا حتى بصوت مكسور كأنه زوج حزين!
ده قالهم بصوت عالي سمّع المدافن كلها، والتراب لسه طري فوق قبر “روز”، وريحة الصبار والكلور لسه مالية الجو في عز البرد.
بنتي ما بقالهاش ساعة تحت الأرض.
ماتت وهي عندها خمسة وتلاتين سنة بس.
والأستاذ “شريف” واقف يناقش هيخلص من بناته التلاتة إمتى وبأسرع طريقة إزاي!
فيه حاجة جوايا اتقطعت.
جنبي كانت واقفة حفيداتي..
“ندى” الكبيرة، عندها اتناشر سنة، كانت حاطة إيدها على صورة أمها المتبروزة وضغطاها على صدرها لدرجة إن صوابعها ابيضّت.
“رنا”، تسع سنين، كانت باصة للقبر وعينها فاضية تماماً، مفيش فيها دموع.
أما الصغيرة “فرح”، ست سنين، فكانت دافنة وشها في بالطويا الأسود وبتترعش رعشة كنت حاسس بيها في عضمي.
#حكايات_شروق_خالد
وشريف؟ شريف كان واقف زي الباشا.
بدلته الرمادي المتفصلة ما فيهاش فتل غلط.
جزمته الجلد بتلمع تحت الشمس.
ساعته الغالية باينة من تحت كم البدلة.
ما فيش ولا دمعة في عينه.
بالعكس، ده طلع تليفونه، قرا رسالة، ولمحت على وشه ابتسامة خفيفة.. كأن فيه حد مستنيه في مكان تاني عشان يحتفلوا بـ “حريته”.
بصيت له في عينه وقلت له: “أنت بتقول إيه يا جدع أنت؟”
نفخ بقلة صبر كأني أنا اللي بزود عليه هموم اليوم الطويل: “يا حاج جلال، بلاش تصعب الأمور وهي صعبة لوحدها. روز ماتت خلاص، ومن حقي أشوف حياتي وأعيشها”.
“وبناتك؟”
بص لهم ببرود ولوا إيده باستهتار: “صاحبتي مش غاوية تربية بنات، وبناتك أصلاً بالعافية بيطيقوني. لو هم غاليين عليك أوي كده، خدهم أنت شيلهم”.
صمت رهيب نزل على المدافن.
القرايب كلهم وطوا راسهم في الأرض من الكسوف.
خالتي حطت إيدها على بوقها من الصدمة.
حتى التربي دار وشه الناحية التانية وسكت.
محدش دافع عنه.
ومحدش دافع عن الغلبانين دول.
في لحظة غضب، كنت عاوز أضربه قلم يجيب أجله، إيديا اتضمّت وبقت زي الحجر.
بس فجأة حسيت بإيد صغيرة بتلمس إيدي..
فرح.
بصيت تحت.. كانت باصة لي بعيون مليانة رعب، بتترجاني من غير صوت إني ما أعملش مشكلة.
بلعت غيظي وسكت.
بس ندى…
ندى ما عيطتش.
وده اللي خوفني أكتر من كل اللي قاله شريف.
كانت باصة لأبوها بنظرة هدوء غريبة، نظرة ما ينفعش تطلع من عيل عنده اتناشر سنة.
وبعدين بصت لأختها رنا.
وبعدين لفرح.
التلات أخوات بصوا لبعض نظرة مفهومة.. من غير كلام، ومن غير دموع.
نظرة ثقة تامة.
جسمي كله قشعر.
في اللحظة دي.. فهمت إن البنات دول عارفين حاجة أنا ما أعرفهاش.
نزلت على ركبي قدامهم وقلت بصوت حنين: “أنتم هتيجوا تعيشوا معايا في بيتي”.
شريف ضحك من تحت ضهرسه وقال: “زي الفل.. كده شلت من عليا الهم”.
ما فكرش حتى يحضنهم حضن الوداع.
ولا يبوس راسهم.
ولا سألني إن كان معاهم هدوم، أو علاج، أو مكان أمان يناموا فيه.
لف ضهره ومشي بخطوات سريعة ناحية عربية ملاكي بيضا واقفة برة المدافن.
جواها كانت قاعدة ست صغيرة لابسة نظارة شمس سودا وكبيرة.
أول ما شافته جاي، ابتسمت.
ركب جنبها من غير ما يبص وراه ولا بـِصة واحدة.
البنات فضلو واقفين يتفرجوا على العربية وهي بتختفي.
ولا واحدة منهم ندهت عليه.
السكوت ده كان بيقول كل حاجة.
على المغرب، أخدت البنات وجبتهم بيتي في السيدة زينب.
سخنت لهم شوربة دافية.
وعملت لقمة ياكلوها.
وجهزت الأوضة الصغيرة اللي كانت روز بتنام فيها وهي بنتوتة.
بعد شوية رنا نامت وهي حاضنة بلوزة قديمة من ريحة أمها.
وفرح رفضت تسيب إيدي لحد ما التعب غلبها وراحت في النوم.
الوحيدة اللي فضلت صاحية هي ندى.
قعدت جنب شباك الصالة لساعات، باصة للظلمة والشارع من غير ما تنطق بحرف.
الساعة كانت تلاتة بالليل بالظبط، لما سمعت صوت خطوات خفيفة.
دخلت المطبخ ووقفت جنبي.. وهمست: “يا جدي.. ماما مماتتش تعبانة كدا لوحدها.. فيه حد موتها”.
كل عضلة في جسمي اتشنجت، وبصيت لها بتركيز: “قصصدك إيه يا بنتي؟”
من غير ما ترد، ندى فتحت شنطة المدرسة بتاعتها، وطلعت منها كيس قماش قطيفة موف صغير، وحطته على ترابيزة المطبخ.
جوه الكيس كان فيه تلات حاجات:
تليفون قديم.
أجندة متبهدلة مكتوبة بخط الإيد.
وفلاشة صغيرة.
زقت الكيس ناحيتي وقالت: “ماما قالت لنا لو حصل لها حاجة.. ندي الحاجات دي للشخص الوحيد اللي لسه بيحبها بجد”.
قلبي وقف عن الدق.
لأن في اللحظة دي.. فهمت إن بنتي ما سابتش وراها مجرد ذكريات.
دي سابت وراها دليل حابس للأنفاس.
وأي كان اللي مستخبي جوه الكيس الموف ده..
كان قوي لدرجة إنها استأمنت عليه تلات بنات أطفال—مش ناس كبار—عشان يحموه لحد ما تيجي لحظة الحساب.


