الدولاب الفاضي..#حكايات_شروق_خالد
جوزي أدى كل فساتين الحمل بتاعتي لحد وأنا في الشغل. ولما سألته أنا مفروض ألبس إيه، فضل قاعد يدهن مستردة في الساندوتش بتاعه بكل برود.
“إنتِ خلاص خلصتي حملك”، قالها، “دينا لسه قدامها شهور”.
كنت في الأسبوع الـ 34 من الحمل. باقيلي ست أسابيع بس على ميعاد الولادة، جدول المستشفى متعلق على التلاجة، ومافيش على السرير غير تي شيرتين مطمطين وموسمين مستنيينني.
وده كل اللي قرر إني ممكن أحتفظ بيه.
كان يوم سبت، 10 أكتوبر. راجعة من شفت تمريض بدري، رجلي ورمة، وفي إيدي كيس بلاستيك فيه الفراولة اللي كنت بفكر فيها من ساعة الفطار.
اسمي مريم. عندي تلاتين سنة، عايشة في المعادي، ومستنية أول بيبي لينا، بنوتة متفقين نسميها نور.
على مدار خمس شهور، كنت بشتري لبس الحمل بتاعي حتة بحتة. بنطلونات مريحة. طقمين سكرابز للحمل. كارديجان بيتقفل بجد. وبيجامات رضاعة لفترة ما بعد الولادة.
وفستان لونه أخضر مائل للميرمية عشان جلسة التصوير اللي حجزتها قبل ما بطني تبان.
المجموعة دي كلها كلفت 13,800 جنيه. كنت عارفة لأني كنت محتفظة بالوصولات في ملف جنب أوراق إجازة الوضع بتاعتي.
شراء اللبس لنفسي كان بياخد مني تحضير ومجهود. ممكن أصرف فلوس على إصلاحات العربية من غير ما أفكر ثانية، لكن فستان يخليني أحس إني حلوة كان بيحتاج مني أدخل على الموقع تلات مرات وأقعد أكلم نفسي وأقنع نفسي إذا كنت أستاهله ولا لا.
طلبت الفستان ده أخيراً في أغسطس.
دلوقتي شماعته بقت فاضية.
وكذلك الشماعات اللي جنبه. والدرج اللي بحط فيه الليغينز كان مفتوح عالاخر. وبيجامات الرضاعة اختفت، مع إني لسه حتى ما لبستهاش.
بصيت وراء سلة الغسيل. وبعدين في أوضة الضيوف. وبعدين رجعت بصيت على الدولاب تاني، كأن لو بصيت عليه مرتين المحتويات هتطلع لوحدها وترجع.
كان كريم في المطبخ.
* “فين هدومي؟”
بص بنظرة سريعة ناحية السلم.
* “أخدتهم وحطيتهم في عربية دينا الصبح”.
أخته كانت في السادسة وعشرين من عمرها وحامل هي كمان. في الأسبوع الـ 26، وصاحبها سابها وقبضها يا دوب بيكفي إيجار شقتها.
كنت عرضت عليها إننا نفرز هدومي سوا بعد ما أخلص استخدامها.
بعد ما أخلص.
* “أديتها كل حاجة؟”
* “دي بتعاني يا مريم”.
* “يعني تقوم تفضي دولابي؟”
حط الس\كينة في الحوض.
* “ما تخليش طريقتك كده. إنتِ بنفسك قلتي إنها ممكن تاخد كم حاجة”.
* “لما أخلص أنا لبسهم”.
* “ماشي، ما إنتِ خلاص على وشك”.
وقفت هناك ببنطال السكرابز الوحيد اللي سابهولي عشان كنت لبساه وهو بيلم الباقي. كانت فيه حتة مبلولة على قميصي عشان سندت على كيس الفراولة.
بص للبقعة دي بدل ما يبص في وشي.
* “إنتِ تعبانة. كل حاجة بتبان أكبر من حجمها لما بتكوني تعبانة”.
حطيت الفراولة في التلاجة بإيدي الاتنين. عملت كده بالراحة لأني كنت محتاجة حاجة واحدة صغيرة تحصل زي ما أنا عايزة بالضبط.
* “كلمها. قولها ترجعهم”.
* “مش هحرج أختي عشان شوية هدوم”.
* “وتقدر تحرج مراتك عادي؟”
تنهد كأن أنا اللي عطلت له مصلحة مهمة.
* “إنتِ مش محرجة.. إنتِ زعلانة. فيه فرق”.
فوق في الأوضة، صورت الدولاب وهو فاضي. ما كنتش فاهمة ساعتها ليه حسيت إني محتاجة الصورة دي. كنت عارفة بس إن كريم كان بيوصف أوضة تانية خالص غير اللي أنا دخلتها من شوية.
بعدين بعت رسالة لدينا:
> لو سمحتي ما تفكريش تفتحي أي شنطة. كريم ما كانش ليه إذن يديكي هدومي. محتاجاهم يرجعوا.
>
ظهرت تلات نقط.. واختفت.
الرد جه بعد حداشر دقيقة:
> المفروض تكلميه هو.
>
اتصلت بيها، بس ما ردتش.
قعدت على السرير وفتحت ملف الوصالات. وكان فيه تأكيد جلسة التصوير كمان: 24 أكتوبر، جلسة بعد الظهر على البحيرة، والعربون مدفوع من حسابي الشخصي.
كنت حكيت لدينا عن الفستان. وهي اللي ساعدتني أختار بين لون الميرمية واللون الكريمي.
فيه حاجة في رسالتها ضايقتني لدرجة خليتني أفتح الفيسبوك.
دخلت على صفحتها، ومنها على الحاجات اللي بتعرضها للبيع.
الصورة الأولى كانت لفستاني الكحلي اللف معلق على باب شقتها الأبيض.
والتانية كان فيها الكارديجان بتاعي.
وفي الصورة التالتة، فستان الميرمية مرمي على ترابيزة المطبخ بتاعتها. والاتيكيت ظاهر للكاميرا، وكم السويت شيرت البرتقالي ظاهر على حرف الصورة.
> ماكسي حمل لون ميرمية. مقاس ميديم. جديد بالاتيكيت. 85 دولار.
>
وتحتها كلمة ما قدرتش أشيل عيني من عليها:
> مُباع (SOLD).
>
أخدت سكرين شوت لكل ده قبل ما أنزل تحت.
كريم كان خلص أكل. وماتش كورة شغال على التلفزيون.
* “دي بتبيعهم”.
بص نظرة سريعة على الموبايل وبعدين مد إيده جاب الريموت.
* “يمكن فيه حاجات مش قدها”.
* “دي مقاسي أنا”.
* “إنتِ بتاخذي الموضوع بحساسية”.
بصيت للراجل اللي اتجوزته من أربع سنين. افتكرت زمان كان بيسخن لي العربية الصبح ويجيب لي العشاء لما الشفت بتاعي يتأخر.
كنت أتمنى الراجل ده يقوم دلوقتي ويقف يفسر لي اللي بيحصل ده.
لكن كريم اكتفى إنه يعلي صوت التلفزيون.
الساعة 7:18، اتصلت بأمه.
إلهام كانت في الـ 64، مدرسة متقاعدة لسه شايلة قلم أحمر في شنطتها. عمرها ما عاملتني كأننا دخلاء، بس أنا عمري ما طلبت منها تاخد صف حد في بيتنا.
* “مريم؟” قالت. “فيه إيه يا حبيبتي؟”
حاولت أشرح لها من غير ما أعيط، وكنت خلاص هنجح.
* “كريم أدى لبس الحمل بتاعي كله لتارا. ودلوقتي بتبيعه، وهو رافض يطلب منها ترجعه.”
إلهام سكتت.
* “إنتِ أو حد فيكم أديتوا إذن لأي حد؟”
* “لا.”
* “عايزة مساعدتي عشان نرجعهم؟”
غمضت عيني.
* “أيوة.”
* “ابعتي لي السكرين شوتس. وبعدين كلي حاجة وارتاحي، وأنا هكلمك الصبح.”
بعد ما قفلنا، جاتلي رسالة تانية من دينا:
> لو سمحتي ما تقوليش لماما. كريم قال لي إنك عارفة.
>
فضلت باصة في الكلام ده.
وتحت، جوزي ضحك على حاجة في التلفزيون.
بعت لإلهام السكرين شوت دي كمان.
#حكايات_شروق_خالدبعد تلات شهور من ولادة نور، البيت كان مليان بصوت ضحكاتها وحركة العيال الصغيرة، وحياة العيلة رجعت تاخد شكلها الطبيعي، بس بطعم تاني خالص.
كريم ما بقاش بس بيحاول يعوضني عن اللي عمله، ده اتغير 180 درجة. بقى بيصحى معايا بالليل يشيل نور لما أكون هلكانة من السهر، وبقى يتعمد يسألني في كل صغيرة وكبيرة تخص البيت أو تخصني أنا شخصياً وكأن الدرس اللي اتعلمه مع أمي إلهام حفر جوه قلبه إن كرامتي وراحتِي خط أحمر.
أما دينا، فبعد الموقف ده بشهر، جات لي البيت ومعاها هدية صغيرة لنور. قعدت وقالت بصوت مكسور:
* “أنا آسفة يا مريم.. كريم ضحك عليّا وقالی إنك عارفة وموافقة.. لو كنت أعرف عمر ما كنت أقبلها أبدا.”
سامحتها. مش عشان هي تستاهل الساهل، بس عشان خاطر البيبي، وعشان مفيش داعي لقطيعة الرحم، بس من يومها بقيت عارفة حدودي كويس وصيغت علاقتنا على نضافة.
مفاجأة كريم
في يوم خميس بليل، كريم دخل البيت بدري عن ميعاده، وكان في إيده كيس صغير شيك وعليه كارت صغير بخط إيده: “لحبيبتي وملكَة بيتي، آسف على كل دمعة نزلت بسبب غبائي.”
بصيت له باستغراب:
* “إيه ده يا كريم؟”
ابتسم بحب وقعد جنبى على الكنبة:
* “افتحي وشوفي.”
فتحت الكيس ولقيت البلوزة الأنيقة اللي كنت حاطتها في السلة على موقع التسوق وقعدت أردد لنفسي أسبوعين: مش لازم، فلوسها أولى بغيرها، وفي الآخر كنسلتها عشان خفت أصرف على نفسي.
* “لقيت الهيستوري بتاع السيرش عندك مفتوح على اللابتوب”، قالها وهو بيبتسم باعتذار. “وقلت لنفسي.. مرتك مش بس تستاهل الفستان والهدوم اللي راحت، دي تستاهل الدنيا كلها.”
حسيت بسخونة الفرحة في قلبي. الوجع القديم بتاع الدولاب الفاضي طار وانمحي قصاد نظرة الندم والتقدير اللي في عيونه.
الدعم والسند
طنط إلهام كانت بتعدي علينا كل يومين، ومعاها شنطة مليانة أكل بيتي سخن، وكانت دايماً تطبطب عليّا وتقولي:
* “الست هي عمود البيت يا مريم، وكرامتها من كرامة البيت كله.. واللي ما يقدرش مرته في حضنها، ما يستاهلش يشيل اسمها.”
كنت باخد نور في حضني، وأبص لكريم وهو بيحاول يلاعبها ويضحكها بشويش، وأقول لنفسي:
الحياة مش دايماً بتمشي زي ما بنخطط لها، أحياناً بتبان مكسورة وناقصة، بس الإنسان بيتعلم، والقلوب الطيبة بيرجع حقها وصاحبها بيبان على أصله.. ومركبنا رجع يمشى في الأمان من تاني.
#حكايات_شروق_خالدبعد سنة كاملة من الليلة دي، التاريخ كان بيكرر نفسه بس بطريقة أحلى بكتير. كنا في شهر أكتوبر تاني، والجو الخريفي الجميل ملا البيت، ونور كملت سنتها الأولى.. وبقت تجري في الشقة كلها بخطواتها الصغيرة وضحكتها اللي منورة حياتنا.
البيت كان مقلوب زينة وبالونات، وطنط إلهام كانت موجودة من بدري مجهزة صواني الأكل والحلويات، ودينا كانت قاعدة بتلعب مع نور وبتضحك معاها كأن مفيش أي حاجة قديمة كسرت صفو العلاقة بينهم.
أما كريم.. فكان واقف في المطبخ بيساعد أمه في ترتيب السفرة، ومن غير ما أطلب منه أي حاجة، كان شايل المسؤولية كأنه هو اللي بينظم عيد الميلاد كله لوحده.
جلسة تصوير جديدة
بعد ما الهصة خلصت والناس مشييت، ونور نامت في سريرها بتعب من كتر اللعب، دخلت أوضتي عشان أغير هدومي.
لقيت كريم واقف جنب التسريحة، ومد إيدي بتذكرة مظروف شيك جداً.
* “إيه ده يا كريم؟” سألته باستغراب محبب.
* “افتحي وشوفي يا مريم.”
فتحت الظرف ولقيت فيه حجز لجلسة تصوير عائلية جديدة مع نفس المصورة، في نفس المكان جنب البحيرة.. ومكتوب في الكارت بخط إيد:
> “عشان جلسة التصوير القديمة كان ناقصها الفستان الصح والضحكة الصادقة.. وعشان تثبتي لنفسك إنك تستاهلي الدنيا وما فيها.”
>
رفعت عيني وبصيت له، لقيت في عيونه نظرة فخر وحب صادق غطت على كل ذكريات الوجع القديمة.
* “مش خايف أصرف تاني؟” سألته بمزاح وأنا ببتسم.
* “اصرفي في اللي يعجبك.. ويحطك في المكانة اللي تليق بيكي.. أنا فهمت متأخر إن سعادتك هي أساس بيتنا.”
درس العمر
وقفت قدام المراية، وبصيت لنفسي وأنا لابسة فستان أنيق شاريته من غير تردد ومن غير ما أحس بذنب إني دلعت نفسي.
فهمت ساعتها إن الأزمات في حياتنا مش بتيجي عشان تكسرنا، أحياناً بتيجي عشان تفرز لنا الناس الصح من الغلط، وتعرفنا قيمة السند الحقيقي، وزي ما طنط إلهام قالت لي يوم, الست اللي تفرض احترامها وتبقي واثقة في نفسها، الكل بيعمل لها ألف حساب.
خدت نفس عميق وأنا سامعة صوت أنفاس نور الهادية في الأوضة جنبنا، وبصيت لكريم وهو بيطفي نور الصالون بهدوء، وقلت لنفسي:
الحياة رجعت لطبيعتها وأحسن بكتير.. وبقينا أنا وهو وفريقنا الصغير جاهزين نعيش بكرة بكل حب وأمان.
#حكايات_شروق_خالد


