فستان فرح حكايات شروق خالد
“ابني كلمني يوم الأربعاء بعد الظهر، وكان صوته فيه فرحة وحماس مسمعتهمش منه من سنين:
— يا ماما، عندي ليكي خبر يجنن! أنا حِتجوز بكرة من صافي، مش قادرين نستنى أكتر من كده. هنعمل حفلة مفاجأة في مركب سياحي في الزمالك.
كنت لسه بفتح بوقي عشان أبارك له، بس هو قاطعني بحماس غريب كأنه عيل صغير:
— آه، وفي حاجة تانية كمان… أنا خلاص حولت كل الفلوس اللي في حساباتك لحسابي أنا. هحتاجها عشان أدفع مصاريف الفرح وشهر العسل في جزر المالديف. وبالنسبة لشقتك اللي على النيل… اللي إنتي بتحبيها أوي دي… أنا خلاص بعتها. وقعت العقد النهاردة الصبح بالتوكيل العام اللي عملتيهولي السنة اللي فاتت. الفلوس بقت في حسابي، والملاك الجداد عايزينك تخلي الشقة خلال تلاتين يوم. يلا يا ماما… أشوفك على خير، أو يمكن ماشوفكيش تاني بقى.
وراح قفل السكة في وشي.
فضلت واقفة متجمدة في وسط الصالة، وبص على النيل من الشبابيك الكبيرة بتاعة شقتي في الزمالك. السكات كان مرعب. أي أم مكان كانت هتصرخ، كانت هتعيط، كانت هتترجاه. بس أنا، بدل كل ده، بدأت أضحك.
ضحكت من كل قلبي لدرجة إني قعدت على الكرسي عشان مأقعش على الأرض من كتر الضحك.
عشان ابني، ابني المحامي الذكي العبقري، لسه عامل حالا أكبر غلطة في حياته كلها.
وعشان تفهموا أنا ليه ضحكت على مصيبتي دي، لازم نرجع ورا شوية.
أنا اسمي ميرفت، عندي أربعة وستين سنة، وكل قرش معايا جيبته بتعب السنين، وقلة النوم، والتضحية. أنا وجوزي الله يرحمه، مدحت، بدأنا بمخبز صغير في طنطا. كنا بنشتغل سبع أيام في الأسبوع، مفيش إجازات، مفيش راحة، إيدينا دايماً مليانة دقيق وجسمنا هلكان من التعب. المخبز الصغير ده بقى اتنين، وبعدها بقى سلسلة سوبر ماركت كبيرة. لما مدحت مات من اتناشر سنة، بعت الشغل كله، وشغلت الفلوس في العقارات والبورصة وشهادات الاستثمار، وقررت أعيش في هدوء.
كنت عايزة أسافر، أرتاح، وأأمن مستقبل ابني الوحيد: حازم.
حازم طول عمره كان ذكي، لبق، وشكله وسيم. بس كان فيه عيب واحد خطير: بيحب السكة السهلة. درس حقوق وبقى محامي، تمام، بس عمره ما استحمل الشغل الحقيقي. هو مكانش غاوي محاماة وقضايا، هو كان غاوي منظرة. كان عايز بدل غالية، ساعات ماركة، صور في مطاعم فاخرة، وعربيات مستوردة. وأنا ساعدته زيادة عن اللزوم. كنت بدفع له إيجار المكتب، غيرت له العربية كذا مرة، وكنت بسدد له فيزا المشتريات اللي كانت بتخلص منه “بالغلط” كل شوية. كنت فاكرة إني بدعمه، بس في الحقيقة، أنا كنت بربي راجل مش عارف يعيش من غير ما حد يحل له مشاكله.
وكل حاجة بقت أسوأ من اليوم اللي ظهرت فيه صافي.
صافي كانت من بتوع الإنفلونسرز اللي بيضحكوا ببوقهم وبيحسبوها بعينيهم. حلوة، لبسها مظبوط على الشعرة، ريحتها دايماً برفيوم غالي، مابتفصلش تصوير، وطول الوقت كلامها عن السفر والماركات والأماكن الـ VIP. أول مرة جت تتعشى عندي في البيت، مبصتليش أصلاً. كانت عينيها على اللوحات اللي على الحيطة، أطقم الصيني، النجف، والـخواتم اللي في إيدي.
— شقتك تحفة يا طنط ميرفت — قالتها وهي بتلف بعينيها في الصالة — دي تعمل لها ثروة دلوقتي. مأ فكرتيش تبيعيها وتقعدي في حاجة أصغر تناسب سنك؟
ابتسمت وقتها وقلت لها لا.
بس حازم الفكرة فضلت رشق في دماغه.
ومن ساعتها، بدأ الزن والضغط:
— يا ماما، سيبيني أساعدك في إدارة حساباتك.
— يا ماما، امضي لي على التوكيل ده عشان أخلص لك الإجراءات وبلاش وقفة الطوابير دي.
— يا ماما، لازم تبسطي أمورك وممتلكاتك شوية.
كنت دايماً بنفض للموضوع. لحد من ست شهور فاتوا قبل المكالمة دي، لما جالي التهاب رئوي حاد ودخلت المستشفى عشر أيام. كنت ضعيفة، وتحت تأثير الأدوية، وحرارتي عالية جداً. حازم كان بيزورني كل يوم، مهتم بيا جداً وحنين أوي. في زيارة منهم، طلع ورق وقدمهولي:
— ماما، دي مجرد موافقة عشان شركة التأمين. امضي هنا بس.
أنا وثقت فيه.
ومضيت.
لما خرجت من المستشفى، في حاجة جواه كانت اتغيرت. بقى بارد، بعيد. مكانش بيسأل عن أحوالي، كل أسئلته كانت عن الأوراق، التوكيلات، الحسابات، والمفاتيح. وفجأة أعلن إنه هيتجوز صافي من غير ما ياخد رأيي حتى. وبعدها جت المكالمة دي: “أنا خدت فلوسك، وبعت شقتك”.
دخلت مكتبه في البيت. فتحت الخزنة المستخبية ورا برواز مدحت. وهناك كان السلاح الحقيقي بتاعي.
من عشر سنين فاتوا، بعد ما بقيت أرملة على طول، المستشار المالي بتاعي قال لي جملة عمري ما نسيتها:
— يا مدام ميرفت، الست اللي عندها أملاك وريث واحد بس، لازم تحمي نفسها حتى من الحاجات اللي مش عايزة تتخيلها.
وعشان كده، عملنا شركة إدارة ممتلكات عائلية سميناها “المنشاوي لإدارة الأصول”. كل عقاراتي، بما فيهم الشقة اللي على النيل اللي قاعدة فيها دي، مكانتش باسمي كشخص. دي كانت ملك الشركة. وأنا كنت المديرة المسؤولة مدى الحياة وليا كامل الصلاحيات. حازم كان له حصة في الشركة فعلاً، بس ملوش حق التصويت ولا له أي سلطة إنه يبيع أي حاجة. وكان في بند واضح وصريح: مفيش أي عقار يتباع من غير التوقيع الإلكتروني بتاعي أنا بصفتي المديرة.
أما بالنسبة للفلوس، فالموضوع كان أبسط بكتير. حازم مكانش يعرف غير حسابي الجاري بتاع كل يوم، اللي كنت بسيب فيه كام ألف جنيه للمصاريف الشهرية العادية. ثروتي الحقيقية كانت في حسابات استثمارية تابعة للشركة، في بنوك هو أصلاً ما يعرفش إنها موجودة.
يعني بالعربي كده، حازم مأخدش ثروتي.
هو سرق الفكة اللي في محفظتي.
وموضوع الشقة كان أسوأ وأسوأ: هو باع حاجة قانونياً ملوش حق يبيعها.
يعني ارتكب جريمة تزوير ونصب.
عملت لنفسي فنجان قهوة. وقعدت أفكر. كان قدامي حلين. الأول: أكلمه، أحذره، وألحقه من السجن. التاني: أسيب الدنيا تديه الدرس اللي أنا فشلت أديهوله على مدار أكتر من تلاتين سنة.
افتكرت صوته في التليفون وهو بيقولي:
“أشوفك على خير، أو يمكن ماشوفكيش تاني بقى.”
وافتكرت صافي وهي بتسألني لو كان البيت ده كتير على ست عجوزة عايشة لوحدها.
وافتكرت إمضتي اللي أخدها مني وأنا تعبانة وفي قمة سخونيتي وواثقة فيه.
شربت فنجان القهوة كله على بوق واحد.
وقررت إني مش هحاميلو ولا هلحقه.
تاني يوم الصبح، حنان الأم وقف.. وبدأ حكم القانون.”


