عقاب السكوت: عندما تختفي الزوجة بالتوأم قبل الفجر#حكايات_شروق_خالد

مراته مالتش ولا كلمة عن العشيقة—ببساطة اختفت مع عيالهم التوأم اللي لسة مولودين قبل الفجر.
ريحة برفان حريمي رخيص من بتاع الستات إياهم كانت لسة معلقة في ياقة جابر لما زق أبواب بيته الخشب التقيلة.
كان متوقع السكوت الخانق بتاع كل مرة، وتقْل الذنب اللي اتعود عليه.
بس ماكانش متوقع أبدًا يشوف دم ناشف مطرطش وممسوح على رخام الصالة.
باب أوضة الأطفال كان مفتوح على آخره.
والسريرين الفاضيين بيصرخوا.
وفي الوقت اللي كان فيه جابر غرقان في الملايات الرخيصة بتاعة اللوكاندة، ومطنش تليفونه اللي مابيهداش زني، كانت مراته بتجيب عياله للدينيا.
وبعدها… مسحت وجودها خالص.
سكة الرجوع للفيلا كانت عبارة عن شبورة مطر تلج ونور صبحة رمادي يكئب. جابر الألفي كان ماسك دركسيون عربيته الجيب بكل قوته، والمكيف الشغال على السخن مابيعملش حاجة، مش عارف يطرد التلج اللي جمد في عظمه.
القاهرة في نوفمبر مابترحمش، بس البرد اللي جواه مالوش دعوة بالجو خالص.
الساعة كانت 5:15 الصبح.
جابر كان مقضي الليلة في جناح في أوتيل فخم في الزمالك مع نيرمين.
ماكانش حب، ولا حتى شغف. كان مجرد هروب رخيص وقذر من واقع حياته اللي بيخنقه.
جابر كان كبير عيلة الألفي، راجل شغلته كلها في الخوف، المخدرات، والنفوذ. بس في بيته؟ كان مجرد راجل فاشل مع مراته الحامل.
نورهان كانت زادت بعاد. بطنها كبرت، وعينيها دبلت، وبقالها شهور بتبص له وكأنها شايفه كدبه ومكشوف قدامها.
عشان كده جابر هرب.
على نص الليل، قفل تليفونه ونام في سرير ست تانية عشان مايشوفش الخيبة والنقص في عينين مراته.
لما البوابات الحديد للفيلا فتحت الصبح، دخل بعربيته وشعر على طول إن فيه حاجة غلط.
البيت كان ضلمة كحل.
في العادي، الحرس واقفين على الأسوار، ونور المطبخ قايد والشغالين بيجهزوا القهوة.
النهارده مافيش ولا صرصار حقل.
الفيلا الكبيرة كانت راقدة زي القبر تحت السما الرمادي.
جابر فتح الباب الرئيسي ودخل.
“نورهان؟”
سكوت.
قلع الجاكيت، وريحة الفانيليا الخفيفة طلعت تاني في مناخيره وجابت له قرف في بطنه.
عدى من جنب السلم الرخام وبص ناحية المطبخ. فاضي. لا حراس ولا شغالة.
سحب تليفونه من جيبه وفتحه. الجهاز طار من كتر الزن والإشعارات اللي نزلت مرة واحدة.
74 مكالمة فائتة، و30 رسالة. أغلبهن من سيد، كبير الحراس، وكام مكالمة من أرضي الفيلا. ولا واحدة من نورهان.
قلبه نزل في رجليه.
طلع السلم خطوتين في خطوة، ورفص باب أوضة النوم الرئيسية.
السرير كان مقلوب، والملايات متقلعة ومتكردسة في الكورنر مبلولة ومتبهدلة.
“نورهان!”
صوته اتنشر واتقطع.
دخل الحمام الملحق، كان النور كله قايد، والبانيو الكبير مالي نص المية ولونها بينكي مكسور بصدأ. الفوط المليانة دم متكومة في زاوية، وأغلفة الشاش الطبي مغطية السيراميك الغالي.
ريحة الدم الزفرة زاعقة مع ريحة السبيرتو في الجو المكتوم.
جابر رجع لورا وهو بينهج ونفسه مقطوع، وساعتها بس أخد باله من التلطيخ الأحموقي اللي على الأرض.
مشى وراه لحد ما خلص عند أوضة الأطفال.
زق الباب.. الأوضة كانت كاملة ومفيهاش غلطة. حيطان رمادي هادي، وعفش خشب أبيض. كان دافع لمهندس الديكور مبلغ وقدره عشان تطلع كده.
سريرين زي بعض بالظبط في نص الأوضة. قرب منهم.. الإثنين فاضيين. بطاطينهم منكوشة خفيف، بس مافيش عيال. مافيش صريخ ولا أم تعبانة ونايمة على الكرسي الهزاز.
ولا حاجة.
وقف بين السريرين والسكوت بياكل في دماغه. ساب مراته الحامل بطولها، قفل تليفونه، نزفت هنا، ولدت عياله هنا، والدلوقتي… الثلاثة اختفوا.
في ظرف 20 دقيقة، الفيلا الهادية تحولت لساحة حرب.
كلم سيد، وسرعان ما جوم 3 عربيات جيب سوداء طايرين على المدخل، كوتشاتهم جرفت النجيل العرقان مية. رجالته المسلحين دخلوا الفيلا وطين جزمتهم بهدل السجاد الغالي.
سلاحهم وعضلاتهم ماكانش ليهم أي قيمة، مافيش عدو واقف يستناهم، في بس غياب ست مشيت في الهدوء واختفت.
جابر قعد على طرف السرير المتبهدل في الأوضة الكبيرة وبص لإيديه اللي بترتعش، وضمهم بقوة لحد ما أطراف صوابعه بيضت.
سيد دخل، كان جثة بفك فيه علامة مطوة ومافيش في قاموسه كلمة معلش.
“الحرس بتوع البوابة اترمى لهم مخدر يا باشا. ترمس القهوة في كشك الحراسة كان فيه حاجة تقيلة، مقتولين نوم. والشغالين هي مشيتهم بنفسها من إمبارح العصر، قالت لهم إنك طالب البيت يفضى عشان سهرة خاصة.”
جابر رفع عينه: “كانت مرتبة كل حاجة.”
“باين كده.”
“فين دكتور سامح؟”
“تحت في المطبخ، جيبناه من السرير بالبيجامة.”
جابر قام، والزهول والندم تحولوا لغضب أعمى وغل، ضد الدكتور، والحرس، وقبل أي حد… ضد نفسه.
نزل تحت، دكتور سامح كان قاعد على رخامة المطبخ وحواليه 3 من الرجالة. الدكتور كان عدى الخمسين، بقاله عشرين سنة بيموّه على ضرب النار ويخيط جروح العيلة ويولّد حريمهم. دلوقتي كان عرقان وغرقان في بيجامته.
جابر مال عليه: “قولي بالتفصيل اللي حصل في بيتي الليلة اللي فاتت.”
“يا جابر بيه، أنا حاولت أكلمك، قعدت 3 ساعات أتصل بك!”
“أنا بسألك إيه اللي حصل، مش حاولت تعمل إيه!”
“نورهان هانم كلمتني الساعة 10 إمبارح بالليل، المية نزلت عليها وكانت بتولد. جيت طيران، والحرس كانوا نايمين، دخلت بالباسوورد اللي هي إدتهولي.”
إيدين الدكتور كانت بترتعش: “لقيتها في البانيو. الطلق كان شغال ورا بعضه، ماكانش فيه وقت ننقلها لمستشفى خاص، كان لازم نولد هنا.”
جابر غمض عينه. نورهان استحملت وجع الولادة في بانيو وهو كان غرقان مع نيرمين.
“كانت ساكتة خالص،” الدكتور كمل وهو بيبلع ريقه: “ماصرختش ولا صرخة يا جابر بيه، كانت عاضة على فوطة بس. على الساعة 2 الصبح، الولد نزل، وبعدها بـ 10 دقائق، البنت.”
“ولد وبنت؟”
“توأم.”
ولد وبنت.. وجابر ماكانش موجود.
“هما كويسين؟”
“حجمهم صغير شوية، بس زي الفل. صحتهم وصوتهم زي الفل.”
“وبعدين؟”
ثباته اتكسر وصوته علي: “إزاي واحدة لسة والدة بتنزف تأخد طفلين لسة مولودين وتطلع بيهم من بيتي وأنت واقف تتفرج؟!”
“ماقدرتش! بعد ما نظفتهم وطمنتك على علاماتها الحيوية، نزلت العربية أجيب شنطة الغيار الثانية. غبت 5 دقائق بالظبط! طلعت لقيت الأوضة فاضية.. والعيال طاروا!”
جابر جابه من ياقة البيجامة ورفعه فوق الرخامة: “عايزني أصدق إن واحدة لسة طالعة من ولادة شالت عيلين ومشت في 5 دقائق؟!”
“كان معاه حد يساعدها!” الدكتور كان بيموت من الخوف: “كان فيه آثار كوتشات عربية عند الباب الخفي. عربية جيب كبيرة، كان فيه حد مستنيها! يا جابر بيه والله العظيم ما أعرف حاجة!”
جابر حدفه لورا. نورهان كان معاها حد.. حد ساعد مراته تأخد عياله وتختفي.
عمره ما تخيل إن نورهان ليها دعوة بعالمه، كانت بالنسبة له بتاعة أثريات وترميم تابلوهات، هادية وناعمة، وافتكر إن النعومة دي ضعف.
“سيد.”
“أمرك يا باشا؟”
“اقفل القاهرة. كل المحطات، المطار، الموقف، والمدقات بتاعة السفر. تفحص لي كاميرات الدائري والمحاور كلها. ارشي أمناء الشرطة في الكمائن. أريد كل كاميرا في المحيط ده تتراجع خطوة بخطوة.”
“نصنع إيه في السكة؟”
“معاها طفلين رضايع. مش هتلقى طيران من غير شهادات ميلاد، ومش هتعرف تسوق مسافة طويلة والعيال دول محتاجين رعاية. هي لسة جوه البلد.”
جابر بص لرجاله: “هاتوا لي مراتي، هاتوا لي عيالي.. واللي ساعدها… هاتوه لي حي، عايز أقطعه حتة حتة بإيدي.”
رجالة الألفي اتتحركوا بسرعة تخوف. على الظهر، كانت رجالة جابر مغرقين شوارع القاهرة.
المرشدين اتعصروا، الموانئ والمطار اتدفع فيها فلوس، وتجار السلاح والشارع اتسحبوا في الخرابات واتضربوا عشان معلومات هما أصلًا مايعرفوهاش.
البلد كلها فهمت إن جابر الألفي بقا زي الديب المجرُوح اللي بياكل في أرضه.#حكايات_شروق_خالد
جابر فضِل في الفيلا، كان محتاج يفهم الست اللي كان متجوزها. 3 سنين مشاركين سرير واحد، وأكل واحد، وحياة هو كان فاكر إنه عارفها.
ولما بدأ يقلب في دولابها، بدأ يفهم قد إيه هو ماكانش يعرف عنها أي حاجة.
فساتينها كانت لسة متعلقة.. الحرير، والكشمير، بس الخزنة الصغيرة المدارية ورا الهدوم كانت مفتوحة على آخرها وفاضية.
وفوق الترابيزة اللي جنب السرير، كانت سيبة له حاجتين اثنين بس: دبلتها الجولد، وكارت عليه عنوان لمكان عمره ما سمِع عنه.
#حكايات_شروق_خالد

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *