إبرة في جزمة الحقد#حكايات_شروق_خالد
جاب أغنى راجل بيلبس عباية في الصعيد ابنه اللي عنده اثنا عشر سنة لحد كوخ الحاجة فاطمة، واداها لغاية الصبح عشان تخلي الواد يقدر يمشي تاني. بس لما فاطمة قلعتله الجزمة الشمال، لقت ست خروم رفيعة مخبيين بين صوابع رجله.
مصر، سنة 2000.
من خمس شهور وابن الحاج متولي بيضعف يوم ورا يوم.
الأول إيديه بدأت تترعش.
بعدين رجله خذلته وبقتش شايلاه.
وفي الآخر، بطل يمشي خالص.
تكاترة كتيرين قالوا ده عيب في العمود الفقري.
ودكتور غيرهم قال دي حماة وسخونية.
وهو كان شايف إنهم كلهم ما يفهموش حاجة.
لحد ما واحد صاحبه قاله على فاطمة.
كشفت على الواد بهدوء.
لا في سخونية.
ولا فيه ورم.
ولا أي خبطة أو إصابة.
بس التعب كان بيزيد عليه ويبقى أصعب كل يوم الصبح.
* «مين بيساعده يلبس هدومه؟» سألت فاطمة.
كش في وشها وقال:
* «وده هيفرق في إيه؟»
* «رد عليا.»
* «أخته.»
قلعت فاطمة الجزمة بتاعة الواد.
بين صوابعين، كان فيه علامة حمرا صغيرة.
وتحتها واحدة تانية.
وغيرها.
بقوا ست علامات بحالهم.
قربت فاطمة اللمبة أكتر.
* «إيه ده؟» سألها متولي بصوت ناشف.
* «حاجة الدكاترة بتوعك مافكروش يبصوا عليها أصلًا.»
شقت بطانة الجزمة بالسكينة.
وقعت إبرة رفيعة على الترابيزة.
سنها كان مدهون بحاجة ناشفة لونها بني.
فضل متولي باصص ومصدقش عينيه.
* «دي كانت جوه جزمته؟»
شمتها فاطمة بحذر.
وشها اتغير وقبضت حاجبها.
* «كل يوم الصبح وهو بي)? الحذاء ده، الإبرة كانت بتشكه في نفس المكان بالضبط.»
عنيه غامت وبقت سودة من الغضب.
* «سم؟!»
بصت فاطمة ناحية باب أوضة النوم.
كان فيه خيال حد واقف بره وبيسمع الكلام.
الخيال هرب واختفى.
همست فاطمة بصوت واطي مرعب:
* «اقفلوا البيت ده بالمفتاح كويس.»
متولي اتجنن، وعروقه بارت في رقبته وعينيه جابت شرار:
* «أختي؟! قصدك عزة؟!»
* «اللي بيساعده يلبس كل يوم الصبح، هو اللي بيظبط الإبرة في مكانها بالمللي»، قالت فاطمة بصوت هادي وثابت.
جري متولي ناحية الأوضة زي الأسد الهائج، وفتح الباب بعنف لقى عزة واقفة وشها أصفر زي الليمونة وعينيها بترف من الخوف، وفي إيدها علبة صغيرة فيها نفس البودرة البنية.
* «ليه يا عزة؟!» صرخ متولي بصوت رج البيت كله. «ده حتة من لحمي ودمي.. عملتي فيه كده ليه؟!»
عزة ضحكت ضحكة صفرا، ودموعها نزلت وهي بتبص بحقد:
* «عشان الورث! عشان أبوكِ حصر كل حاجة للواد ده ونساني أنا وبنتي.. كنت عايزاه ينام ويموت بالبطيء، عشان تخلصوا منه وتفضلي إنت وأنت بتوزع التركة تفتكرني!»
دخلت فاطمة وراهم بثبات، وقفت قدام عزة وخدت منها العلبة والإبرة بسرعة قبل ما تلحق ترميها.
* «سم بطيء.. بينخر في الأعصاب والعضم كل يوم مع كل حركة»، بصت فاطمة لمتولي وكملت: «بس الحمد لله، الواد لسه فيه الروح، وشوية حاجات من عندي الصبح هيرجع يوقف على رجليه أحسن من الأول.»
متولي بص لاب نايم على السرير، وحس إن الدنيا سودة في عينه. بعدين التفت لأخته بنظرة حجرية مفيهاش نقطة رحمة، وصرخ في رجالة البيت:
* «اربطوها.. ومحدش يفكها غير لما الحكومة تيجي تاخدها!»
#حكايات_شروق_خالدفاطمة ما خسرتش ولا ثانية. فتحت شنطتها القماش وطلعت شوية أعشاب وزيوت ريحتها نفاذة، وبدأت تنضف مكان الوخزات في رجل الواد بمهارة، ودهنتها بمرهم، وسقتّه معلقتين من دواء مرّ ريحته شبه العطارين.
قالت وهي بتمسح إيديها:
* «اطمئن يا حاج.. السم لسه ما وصلش للقلب، وشوية كده والسم ده هيطلع من جسمه مع العرق، وبكرة الصبح تلاقيه واقف على رجليه زي الحصان.»
وفعلاً، لما طلع النهار ونور الشمس ضرب في شباك الأوضة، كان متولي قاعد على الكرسي جنب سرير ابنه وعينه ما بتنزلش من عليه. وفجأة، الواد فتح عينه وتنهد بصوت واضح، وحرّك صوابع إيديه اللي بطلت ترتعش، وبعدين بص لأبوه وقال بصوت ضعيف بس صافي:
* «يا بوي.. أنا حاسس إن جسمي خفيف.. وعاوز أقوم آكل.»
دموع متولي نزلت من فرحته، وباس راس ابنه وهو بيحمد ربنا، وقام جري على بره عشان يشكر فاطمة، بس ما لقاهاش.. كانت مشيت في هدوء زي ما جت، وسايبة وراها العلبة والإبرة على الترابيزة.
وفي نفس اللحظة، دخلت عربية البوليس حوش البيت، وخدت عزة وهي مكتوفة، عشان تروح للنيابة وتنال جزاء اللي عملته، ويرجع الأمان لبيت متولي وابنه اللي قام بالسلامة ووقف على رجليه تاني.
مرت السنين، والواد رجع صحته أحسن من الأول، وبقى يجري ويلعب في الغيط مع أبوه كأن ماحصلش حاجة. متولي عمره ما نسي فضل الحاجة فاطمة، وكان كل ما يشوف ابنه وهو بينط قدامه، يفتكر الإبرة الصغيرة اللي كانت هتدمره، ويدعي للست اللي ظهرت من العدم وأنقذت حياتهم في وقت الصعبة.
أما عزة، فخدت جزاءها بالقانون، واتعلم الكل في البلد دي إن الحقد والغل ممكن يدمروا أصحابهم، وإن مهما غاب الحق وطال الزمن، مكشوف ورايح لأصحابه.
وبقت قصة الإبرة اللي في الجزمة حكاية بتتقال في السهرات، عبرة لكل قلب أسود، ودليل على إن عين الحقيقة دايماً بتشوف اللي الناس بتباغته الأيام.
#حكايات_شروق_خالدبعد عشر سنين، الواد ده كبر وبقى شاب طويل عريض، بيدرس في الجامعة وراجل ينعطى بيه المثل. وفي يوم من الأيام، قرر يروح مع أبوه لحد كوخ الحاجة فاطمة عشان يزوروها ويطمنوا عليها بعد السنين دي كلها.
خبطوا على الباب، وفتحت لهم فاطمة بابتسامتها الهادية، وبصت للشاب باستغراب وهي مش مصدقة عينيها إن ده الطفل العليل اللي كانت رجله على كف عفريت زمان.
دخلوا وقعدوا يشربوا الشاي مع بعض، والشاب طلع هدية بسيطة ودرع شكر، وقال لها بصوت ممتن ودموعه في عينه:
* «يا أمي، أنا لولا ربنا ثم إنتِ، مكنتش بقيت هنا النهاردة.. أنا قررت أدرس الطب وأفتح عيادة هنا في البلد، عشان أساعد الناس الغلابة زي ما أنقذتيني زمان.»
فاطمة ابتسمت بحنان، وقالت وهي بتطبطب على كتفه:
* «العلم يا بني مش بس في الكتب، العلم في الرحمة اللي جوه القلب.. وإنت قلبك طيب، وعمر الشر ما هيغلب الخير أبدًا.»
ومن يومها، بقى الشاب ده يزور الحاجة فاطمة دايماً، وكل ما يجيله مريض حالته غريبة أو غامضة، يفتكر درس الإبرة اللي في الجزمة، ويفهم إن الحكمة، والفراسة، والضمير الحي هما أسلحة الدكتور الحقيقي في وجه أي غدر.

