المليونير

رأى مليونير ابن خادمته فلاحظ أن الصبي يشبهه كثيرا. وحين نطق الطفل قائلا بابا! في تلك اللحظة تحديدا انهار عالمه المثالي كله.
عاد ألكسندر إلى المنزل في ذلك اليوم أبكر من المعتاد وهو أمر نادر الحدوث. أنزله السائق أمام بوابة القصر ثم غادر بينما لم يرد ألكسندر أن يخبر أحدا بعودته.
كان بحاجة إلى قليل من الهدوء إلى وقت يخصه وحده.
فاجتماع المستثمرين كان مملا ومليئا بالحديث عن الأرقام والتقارير والأهداف وكل ما كان يرغب فيه هو أن يرفع قدميه يحتسي كأسا من الويسكي وينفصل عن العالم لبعض الوقت.
دخل من الجانب كما يفعل أحيانا حين يريد تجنب الاختلاط لكنه توقف فجأة في منتصف الطريق.
هناك في الحديقة الخلفية قرب المسبح مباشرة كان طفل صغير يلعب وحده.
صبي بدا في الخامسة أو السادسة من عمره يدفع سيارة لعبة على الأرض وكأنه يقودها في سباق حقيقي يصدر أصوات المحرك بفمه ويضحك ضحكة طفولية عذبة.
كانت لحظة عادية لولا شيء واحد جعل ألكسندر يقف مشدوها.
ذلك الطفل كان يشبهه بطريقة لا يمكن تجاهلها.
الشعر نفسه ولون الجلد نفسه والانحناءة ذاتها في حاجبه الأيسر وحتى الضحكة.
كان الصبي وكأنه نسخة مصغرة منه انعكاسا من ماضيه البعيد.
حدق ألكسندر به قلبه يخفق سريعا بلا سبب واضح وشعور غريب يشبه البرودة ضرب معدته كأنه يرى شيئا لم يكن من المفترض أن يراه.
لاحظ الطفل وجوده فتوقف عن اللعب. وقف مستقيما مسح يديه الصغيرتين على سرواله القصير وراح يراقبه بصمت.
دامت النظرات بينهما لثوان طويلة مشحونة بشيء لم يفهمه أي منهما.
ثم فجأة اندفع الصبي نحوه فاتحا ذراعيه وصاح بصوت صاف طبيعي واثق
بابا!
تجمد ألكسندر في مكانه.
الكلمة هزته من الداخل
كضربة مباشرة في صدره.
لم يعرف كيف يتصرف كيف يتكلم أو كيف يفكر.
لم يستطع إلا أن يخطو خطوة إلى الخلف مذعورا.
توقف الصبي قريبا منه وما تزال ذراعاه مرفوعتين ينتظر عناقا. لكن ألكسندر لم يتحرك. ظل واقفا في مكانه بتعبير متجمد على وجهه.
قال الصبي من جديد الآن ببطء أكثر وكأنه لم يعد متأكدا تماما
أنت أبي
كانت عيناه ممتلئتين بالأمل.
نظر ألكسندر حوله باحثا عن أي شخص. كان البيت هادئا.
لا خادم في الأرجاء لا صوت لا خطوات.
هو والطفل فقط.
سأل وهو غير قادر على إخفاء توتره
ما اسمك
أجابه الصبي مبتسما
ميغيل. أمي تعمل هنا. تركتني ألعب في الحديقة.
رفع ألكسندر يده إلى مؤخرة رقبته وحكها محاولا أن يفهم ما يجري.
لم يساعده اسم الطفل في شيء ميغيل. هل سبق أن سمع هذا الاسم من قبل
كان يعرف أن الخادمة الجديدة روزا لديها ابن صغير لكنه لم يعر الأمر اهتماما أبدا ولم يلتق الصبي من قبل أو لعله التقى به ولم يتذكر
سأل
أين أمك الآن
فأجابه ميغيل وما زال مبتسما
هناك في الداخل في المطبخ.
لكن الحماس الذي كان على وجهه بدأ يتلاشى شيئا فشيئا كأنه شعر بأنه قال شيئا خاطئا.
أنت لست أبي
لم يستطع ألكسندر الرد.
ظل السؤال معلقا في الهواء ثقيلا خانقا.
شعر بأن حلقه يضيق.
بدلا من أن يجيب خطا خطوة إلى الجانب ودخل من باب الزجاج الذي يفضي إلى غرفة الجلوس. ابتعد عن الصبي دون أن يقول شيئا.
ذهب مباشرة إلى المكتب أغلق الباب وأسند رأسه إلى الخشب البارد.
لا لا يمكن أن يكون هذا حقيقيا فكر.
لكن في الوقت نفسه في أعماقه كان هناك شيء بداخله يقول العكس.
مرر يده على وجهه محاولا ترتيب أفكاره.
تذكر أشياء قديمة ليلة من الليالي قبل نحو ست سنوات كان فيها
مرهقا جدا بعد حفل تابع للشركة وشعر بتوعك شديد وهو وحده في البيت. تذكر أنه بقي وحيدا في البيت وأن زوجته كانت مسافرة في ذلك الأسبوع
تذكر أيضا أن روزا التي كانت تعمل هناك في ذلك الوقت كانت تبقى إلى وقت متأخر دائما لكنه لم يستطع أن يسترجع باقي التفاصيل.
كان هناك فراغ في تلك الذكرى فجوة لا يمتلئ فراغها.
فتح الباب ببطء.
كانت روزا.
اتسعت عيناها عندما رأته هناك لكنها لم تقل شيئا.
وقفت في مكانها ممسكة بفوطة مطبخ مبللة في يدها.
قال
روزا ورفع عينيه ببطء نحوها.
ابنك هل كان يناديني دائما أبي
ترددت. لم يكن سوى جزء من الثانية لكنه كان كافيا.
رأى ألكسندر ملامح وجهها تتغير. لم تكن دهشة بل كانت خوفا.
قالت وهي تخفض بصرها
الأطفال يقولون أشياء بلا معنى أحيانا يا سيد ألكسندر. يشاهد الكثير من الرسوم المتحركة ويؤلف أمورا من خياله.
قال بهدوء حازم
روزا انظري إلي.
أطاعته لكنها كانت ترتجف.
سأل مباشرة
هل هو ابني
الصمت الذي تلا سؤاله بدا كأنه يصرخ.
ضغطت روزا على فوطة المطبخ بقوة حتى ابيضت أصابعها. لم تجب.
استدارت وخرجت تاركة ألكسندر وحده يحدق في الفراغ.
وعندها أدرك.
أدرك دون أن يحتاج إلى سماع شيء.
ميغيل كان ابنه وكل ما كان يعرفه حتى تلك اللحظة انقلب رأسا على عقب.
قضى ألكسندر بقية ذلك اليوم وكأنه خارج جسده.
لم يستطع التركيز في أي شيء.
بقي حبيس المكتب يحدق في الأرض ثم في الحائط ثم في لا شيء.
لم يكن يملك سوى صورة وجه ميغيل في رأسه وهو ينظر إليه قائلا تلك الكلمة بابا.
كانت تلك الكلمة تتردد في ذهنه طوال الوقت.
كلما حاول أن يفكر في شيء آخر عادت إليه تلك الصورة
عيون الطفل ابتسامته الشبه المذهل بينهما
وكأنه تلقى ضربة
قوية في معدته وما يزال جسده يحاول استعادة أنفاسه.
في لحظة ما نهض وذهب إلى المرآة.
وقف يتأمل وجهه يبحث عن الملامح.
ثم أخذ هاتفه وفتح الكاميرا الأمامية وحولها إلى وضعية سيلفي وأمال رأسه يمينا ويسارا.
كان يبحث عن ميغيل في ملامحه يبحث عن جواب بصري عن تأكيد واضح.
جلس من جديد مرر يده في شعره وشده بقوة.
كان عليه أن يفكر أن يفهم لكن رأسه كان فوضى كاملة.
الأفكار كانت تتزاحم كلها في الوقت نفسه.
فكر في روزا في تلك الليلة التي بدت مشوشة في ذاكرته.
فكر في هيلينا في ردة فعلها إن اكتشفت الأمر.
فكر في الشركة في اسم العائلة وفي ما قد يعنيه كل هذا.
لكن أكثر من كل شيء كان يفكر في الطفل في ميغيل.
بدأ يشك في كل شيء.
ماذا لو كانت مجرد صدفة
لكن في الوقت نفسه كان يشعر بأنها ليست كذلك.
كان يشعر في صدره بشيء غريب لا يعرف كيف يصفه.
شيء يشبه الخوف ممزوجا بالذنب وبنوع غريب من التعلق كأنه ارتبط بالطفل لمجرد تلك النظرة.
وكأنه فقد شيئا ما ثم وجده من جديد دون أن يدرك أنه كان يبحث عنه طوال هذا الوقت.
كل دقيقة تمر كان يشعر بضياع أكبر.
أراد أن يواجه روزا مجددا لكنه كان يخاف من الجواب.
لأنها إن أكدت فلن يكون هناك طريق للعودة.
وإن أنكرت فهل سيكون ما يشعر به مجرد أوهام في رأسه
لكن لماذا كان وجه الطفل يشبهه إلى هذا الحد
نهض من جديد وبدأ يتمشى جيئة وذهابا يعض أظافره وهي عادة لم يفعلها منذ كان صبيا.
آخر مرة شعر فيها بهذا الشكل كانت عندما أدخل أبوه المستشفى على وجه السرعة قبل سنوات طويلة.
ذلك الإحساس بفقدان السيطرة بعدم معرفة ما سيأتي لاحقا بالوقوف في طريق مسدود.
ذهب إلى المطبخ لكنه لم يجد أحدا.
الطابق السفلي كان خاليا.
نادى على روزا لكنها لم تجب.
لابد أنها غادرت مع ابنها.
عاد إلى غرفة الجلوس وجلس على الأريكة.
أمسك بجهاز التحكم
وشغل التلفاز لكنه لم ير ما يعرض حقا.
كانت الصور تقفز أمام عينيه دون أن تسجل في ذهنه شيئا.
عقله كان مشغولا بأمور أخرى تماما.
بدأ يتذكر الفترة التي تم فيها توظيف روزا.
كانت هادئة تؤدي عملها بلا شكوى.
في عينيها حزن دائم لكنها كانت لطيفة.
لم يواجه معها أي مشكلة.
هيلينا هي من كانت قد أوصت بها إن تذكر جيدا.
قالت إنها امرأة موثوقة تحتاج للعمل ولا أحد لها في هذا العالم.
والآن الآن ربما كانت تلك المرأة تحمل أكبر سر في حياته طوال الوقت.
صوت فتح الباب جعله يقفز من مكانه.
كانت هيلينا قد وصلت.
نادته من المدخل
حبيبي!
وصلت.
مسح ألكسندر يده في بنطاله محاولا أن يبدو طبيعيا.
قال أنا هنا في غرفة الجلوس.
ظهرت وفي يدها كيس قبلته قبلة سريعة على خده وذهبت مباشرة إلى المطبخ تتحدث عن ازدحام الطريق والنادي الرياضي وحفل ما يوم السبت.
كان يسمع نصف ما تقوله فقط.
يجيبها ب نعم وأمم بلا روح.
كان هناك لكنه لم يكن حاضرا فعلا.
هيلينا لم تنتبه.
كانت معتادة على شروده.
حين صعدت إلى غرفة النوم استغل الفرصة وخرج إلى الفناء الخلفي.
المكان الذي كان فيه ميغيل ما يزال يحمل حضوره.
كانت سيارة اللعب الصغيرة ملقاة بجانب العشب.
أمسك ألكسندر بالسيارة ونظر إليها.
كانت سيارة حمراء تنقصها عجلة.
بسيطة جدا لكنها مثقلة بالمعنى.
وضعها في جيب سترته دون أن يخطط لذلك واقفا هناك في الحديقة ينظر إلى غروب الشمس.
في تلك اللحظة شعر ألكسندر بشيء جديد فراغ في وسط صدره كأن قطعة ما كانت مفقودة من حياته ولم يكن يعرف بوجودها والآن ربما وجدها.
عاد إلى الداخل ببطء صعد إلى غرفة النوم وأخذ حماما طويلا.
ساعده الماء الساخن على توضيح أفكاره قليلا.
جفف وجهه بالمنشفة وأعاد النظر في المرآة.
كان هو نفسه بالطبع.
لكن في الوقت ذاته كان الرجل الذي قد يكون
له ابن ولم يعلم بذلك من قبل.
وهذه الإمكانية وحدها كانت تغير كل شيء بداخله.
في اليوم التالي استيقظ ألكسندر قبل المنبه.
بل في الحقيقة لم ينم تقريبا.
قضى الليل كله يتقلب من جانب إلى آخر ورأسه يعمل بلا توقف.
عندما نهض أخيرا كان الفجر ما يزال معتما قليلا والبيت صامتا.
نزل بهدوء حتى لا يحدث جلبة.
ذهب إلى المطبخ فتح الثلاجة وظل ينظر إلى داخلها دون أن يمسك شيئا.
كان يفكر فحسب.
روزا كانت تصل دائما باكرا حوالي السابعة.
كان أمامه نحو عشرين دقيقة.
أخذ يتمشى في المطبخ ذهابا وإيابا كمن ينتظر محاكمة.
عندما سمع باب المغسلة يفتح قفز قلبه.
إنها هي الروتين نفسه ككل يوم.
دخلت وهي تحمل كيسا بسيطا في يدها شعرها مرفوع زيها نظيف وعيناها إلى الأرض.
حين رأته في المطبخ توقفت لحظة.
حاولت أن تتظاهر بالهدوء وأجبرت نفسها على ابتسامة سريعة.
صباح الخير سيد ألكسندر.
رد لكن صوته خرج جافا آليا تقريبا
صباح الخير روزا. نحتاج أن نتحدث.
توقفت في منتصف المطبخ وهي ما تزال تحمل الكيس.
نظرت إليه وملامح القلق واضحة على وجهها.
لم يكن ذلك مجرد تفاجؤ بل خوف.
قالت بصوت منخفض
الآن
الآن.
أشار برأسه نحو المكتب فذهبت قبله.
أغلق الباب خلفهما وسحب كرسيا.
روزا بقيت واقفة.
قال
اجلسي.
أطاعت وجلست لدقائق دون أن يتكلم أحد.
كان الصمت ثقيلا.
كان ألكسندر يحدق في روزا بمزيج معقد من الشك والغضب والحيرة.
أما روزا فكانت تعبث بيديها في حجرها تشبك أصابعها وتفكها وتتجنب النظر في عينيه.
قال مباشرة
من والد ميغيل
تنفست بعمق أغمضت عينيها للحظة ثم أجابت بصوت منخفض
قلت لك من قبل لقد اختفى قبل أن يولد الطفل.
قال بحدة هادئة
روزا كفي عن هذا.
أمس ناداني ميغيل أبي.
نظر إلي كما لو كان يعرفني كما لو كان الأمر طبيعيا تماما.
قالت
الأطفال يقولون ما يخطر ببالهم.
روزا انظري إلي.
رفعت وجهها لكن عينيها كانتا مليئتين بالخوف.
قال
ذلك الصبي يحمل ملامحي.
ابتلعت ريقها وبقيت صامتة.
قال بهدوء حاسم
قولي الحقيقة مرة واحدة فقط.
أنا بحاجة أن أعرف.
تنفست بعمق من جديد ثم تكلمت وهي تنظر إلى الأرض
كانت هناك ليلة منذ زمن كنت فيها متوعكا وبقيت أطيل الدوام للاطمئنان عليك .
كنت أغلق المطبخ استعدادا للانصراف فناديتني وطلبت مني الجلوس قليلا لمراجعة لائحة المهام
قبلت.


