منتهي التفاخر حكايات صافي هاني .

لما كريم عرف بردي، جالي بنفسه لحد مقر شركتي الجديدة، وقف قدام مكتبي وشه شاحب والندم واكل ملامحه، وقال لي والدموع في عنيه: “أنا مش جاي أتحامى في فلوس ولا شركات يا أسماء.. أنا جاي أطلب منك السماح، أنا بموت في اليوم ألف مرة وأنا بشوف صورهم في مكتبك وبفتكر غبائي وشكي.. اديني فرصة واحدة أصلح اللي انكسر”.
بصيت له من ورا مكتبي بكل ثبات، وقلت له: “في كسر مبيتصلحش يا كريم، الشك لما بيدخل بيت بيهده، وإنت هديت بيتنا بإيدك. أنا سامحتك عشان أعيش وعشان قلبي ميبقاش فيه غل، بس الرجوع خطوة اتمحت من خمس سنين. سيبنا في حالنا، وعيش مع فلوسك وشركاتك اللي فضلتها على الأمان.. لأنها الحاجة الوحيدة اللي باقية لك في الدنيا”. سيبته واقف مكانه وخرجت من المكتب وأنا عارفة إن حقي رجعلي تالت ومتلت، وإن ربنا لما بيمهل مبيجرحش، بياخد الحق في الوقت الصح وبالطريقة الصح.
كريم نزل راسه الأرض وسكت، كأن كلامي كان القشة اللي قسمت ضهر جبل الغرور اللي كان عايش فيه. لف وضهره محني، وخرج من الشركة وهو بيجر رجليه وراه، ومن يومها مظهرش تاني في شروق حياتي، واكتفى بطلب الرؤية القانونية عن طريق المحامين عشان يشوفهم كام ساعة في الأسبوع في مكان عام، يشوف فيهم الندم والحسرة اللي هيعيش بيهم بقية عمره.
مرت الأيام، ورجعت لبيتي وحياتي الحقيقية، الفيلا اللي مليانة دفا وحب. أول ما دخلت من الباب، لقيت جوزي مستنيني بابتسامته الصافية اللي عمري ما شفت فيها شك ولا غدر، جرى على العيال شالهم وحضنهم كأنهم حتة من قلبه، وبصلي وقال لي: “حمد الله على السلامة يا بشمهندسة، نور بيتك رجعلك”. في اللحظة دي حسيت إن كل تعب السنين، وكل دموع القهر اللي نزلتها زمان، كانت تمن بسيط عشان أوصل لبر الأمان ده.
بصيت لولادي وهم بيلعبوا ويضحكوا في وسط بيت مفيش فيه غير الأمان والاحترام، ورفعت راسي للسما وبست إيدي وش وضهر. ربنا مبيضيعش حق حد، والوجع اللي بنفتكره نهاية العالم، بيبقى ساعات هو البداية الصح لحياة كنا نستاهلها من الأول. قفلت صفحة الماضي بكل قرفها وشكها، وفتحت حضني للمستقبل وأنا عارفة إن راسي هتفضل دايماً في السماء، وإن اللي بيتقي ربنا في غيبته، ربنا بيعوضه بأكتر مما يتمن
مرت السنين، وبقت المقابلات الأسبوعية في النادي هي الخيط الوحيد اللي بيربط كريم بالعيال. كان بييجي كل مرة شايل أحدث اللعب وأغلى الهدوم، بيحاول يعوضهم عن سنين الحرمان، بس العيال كانوا بيتعاملوا معاه بحذر وأدب شديد، كأنه ضيف عزيز أو عمهم اللي بيشوفوه كل فين وفين، ومكانش حد فيهم بيقول الكلمة اللي كان كريم هيموت ويسمعها.. كلمة “بابا” كانت محجوزة للراجل اللي رباهم وشال همهم من صغرهم.




