العروسة الثامنة حكايات شروق خالد

من الليلة دي، حياتي الهادية والمنعزلة انتهت تماماً.. وحل مكانها جحيم ملوش آخر.
حاولت في الأول أقنع نفسي إن اللي حصل ده كان مجرد هلاوس، صدمة نفسية، أو كابوس من كوابيس النوم وأنا ماشي. بس الحقيقة كانت بتطاردني في كل تفصيلة في شقتي.
## الهدية الأولى
بعد يومين من الليلة المشؤومة دي، رجعت من شغلي بالليل. فتحت باب الشقة، وأول ما نورت النور، جسمي كله تشنج من الرعب.
على سريري، في نص المخَدة بالظبط.. كانت قاعدة **عروسة قماش قديمة**، معمولة بالإيد، خيوطها دايبة، وعينيا كانت عبارة عن زراير سودا غامقة. نفس العرايس اللي كانت متكومة في البيت المهجور.
قربت منها وأنا ركبي بتخبط في بعضها، ومسكتها بإيد مرعشة. كان طالع منها ريحة تراب ورطوبة.. وريحة “حريقة” قديمة. ولما قلبت العروسة، لقيت مكتوب على ضهرها بخط يدوي صغير وباهت: **”يوسف”**.
> في اللحظة دي عرفت إنهم مش سايبيني.. وإنهم لقوا طريقي.
>
## النبش في الدفاتر القديمة
مقدرتش أقعد في الشقة. نزلت وجريت على أرشيف الجرايد القديمة، وقضيت أيام ببحث عن أي حادثة حصلت في المنطقة دي في أواخر التسعينات أو سنة 2000. وبعد تدوير طويل، لقيت الجرنان.. مانشيت أصفر قديم بيقول:
> **”مأساة في حي الخليفة: العثور على جثث 7 أطفال ومشرفتهم داخل سرداب سري لملجأ غير مرخص بعد نشوب حريق غامض.. والشرطة تبحث عن الطفل الثامن المفقود.”**
>
الطفل الثامن كان أنا. أنا الهربت وسيبتهم يموتوا. الذنب كان بياكل في قلبي زي السرطان. أنا عشت حياتي، كبرت، واتعلمت، ودخلت الجامعة، وهم اِتدفنوا في الضلمة والنسيان تحت أرضية خشبية.
## الزيارة الأخيرة: دفع الثمن
الهمس في ودني مبقاش يوقف، وكل ليلة كنت بلاقي عروسة جديدة بتظهر في مكان في الشقة.. على الكنبة، جوه الدولاب، حتى جوه التلاجة! لحد ما بقوا 7 عرايس.. بعدد الأطفال اللي ماتوا.
في الليلة السابعة، الجو كان تِلج، والنور قطع فجأة في الشقة كلها.
سمعت صوت خطوات صغيرة وكثيرة بتتحرك في الصالة. خطوات أقدام حافية بتجري وبتضحك ضحكات طفولية مرعبة.
فتحت كشاف المليون، وبدأت أتحرك في الصالة وأنا بصرخ: “أنا أسف! واللّه العظيم ما كان قصدي أسيبكم! أنا كنت طفل وخفت.. سامحوني!”
الضحكات سكتت فجأة.
وبدأ يطلع من ورا الكنبة، ومن الأركان، خيالات لأطفال ملامحهم مش واضحة، بس عينيهم بتلمع في الضلمة زي الزراير السودا بتاعة العرايس. وفي وسطهم كانت واقفة الست العجوزة “نادية”، بتبصلي بنفس النظرة الهادية الباردة.
قربوا مني، وأنا مش قادر أتحرك، مكاني زي الصنم. مدوا إيديهم الصغيرة الساقعة ولمسوا رجلي وركبي، وبدأوا يسحبوني لتحت.. كنت حاسس إن الأرض الإسمنت بتاعة شقتي بتتفتح، وبتتحول لتراب وسرداب ضيق ومكتوم.
صوت طفل منهم همس في ودني وهو بيشدني من قميصي: **”إحنا مش زعلانين منك يا سليم.. إحنا بس كنا سقعانين ولوحدنا.. وتعال العب معانا.”**
## النهاية
تاني يوم الصبح.. جيراني في العمارة شموا ريحة شياط قوية جاية من شقتي. كسروا الباب ومعاهم المطافي، بس ملعقوش أي حريقة.. الشقة كانت سليمة تماماً.
الحاجة الوحيدة اللي لقوها، كانت جثتي.. نايم على السرير، وشي أزرق ومتثبت على تعبير رعب رهيب، وإيديا الاتنين ضامّة 7 عرايس قماش قدام صدري بحضن قوي..
الطب الشرعي كتب في تقريره: **”الوفاة نتيجة إسفكسيا الخنق.. مع وجود آثار رماد ودخان داخل الرئتين”**.. رغم إن الشقة مكنش فيها نقطة دخان واحدة.
أنا رجعت لهم في النهاية.. وبقيت العروسة الثامنة في الكومة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *