أنا عندي 32 سنة، عايش لوحدي وحياتي هادية ومنعزلة لدرجة كبيرة. معظم الليالي، بتعود أنزل أمشي لمسافات طويلة في الشوارع عشان أصفي دماغي من زحمة اليوم. في ليلة من الليالي، وأنا بتمشى في حتة قديمة وهادية في القاهرة، لفت نظري بيت كبير وقديم وموجور في آخر الشارع. حاجة في شكل البيت ده حسستني بألفة غريبة. وكأنه مكان مريح أو مألوف بالنسبة لي. #حكايات_شروق_خالد ومن غير ما أفكر، لقيت رجلي بتسحبني وأنا بزق الحشائش الناشفة اللي مغطية المدخل، وفتحت الباب القديم ودخلت جوه. المكان كان عامل زي ما يكون الزمن وقف فيه عند لحظة معينة من سنين طويلة. التراب كان مغطي كل شبر، وورق الحائط القديم مقشر ونازل من على الحيطان. ريحة المكان كانت خليط بين الخشب القديم والذكريات المنسية اللي ريحتها رطوبة وعمر عدا. فضلت أتحرك من أوضة لأوضة بكل هدوء، وأنا بتخيل شكل العيلة اللي كانت عايشة هنا في يوم من الأيام، وبقول يا ترى راحوا فين وسابوا مكانهم كده ليه؟ لحد ما طلعت الدور الثاني، ودخلت أوضة نوم واسعة. وهناك.. كل حاجة اتغيرت في ثانية. في وسط الأوضة بالظبط، كان فيه كومة ضخمة ومرعبة من العرايس والدمى اللعبة. المئات منهم. عرايس بورسلين قديمة، عرايس صغيرة، وعرايس ثانية قماش ومعمولة بالإيد. بعضهم كان عينيه مخلوعة، وبعضهم لابس فساتين قديمة ومتبهدلة وألوانها باهتة. كلهم كانوا متكومين فوق بعض بشكل غريب ومقبض للقلب يعلوه جبل صغير من اللعب. قربت منهم بخطوات بطيئة والفضول هيموتني. المنظر كان يقلق أي حد.. مين البني آدم اللي ممكن يسيب كمية العرايس دي كلها ورا ضهره ويمشي؟ وطيت بجسمي وماليت لقدام عشان أشوفهم عن قرب بتركيز أعلى. وفي اللحظة دي بالظبط.. سمعت صوت جاي من ورايا مباشرة. صوت هادي وشرخ بيقول: "أنا اللي حطيتهم هنا." الدم جمد في عروقي من الرعب. لفيت وشي بسرعة وأنا مخضوض. لقيت ست عجوزة واقفة عند باب الأوضة. مكنش عندي أي فكرة هي واقفة بقالها قد إيه، ولا إزاي دخلت البيت وطلعت الدور الثاني من غير ما تعمل أي صوت على الخشب القديم. ملامحها مكنتش غضبانة، ومكنتش بتبتسم برضه. كانت مجرد بتبص لي بنظرات هادية وعميقة. وبعدين شاورت بإيدها المرعشة ناحية كومة العرايس. وقالت بصوت واطي ومبحوح: "كل عروسة من دول.. بتخص طفل نزل ومرجعش تاني أبدًا." الجو جوه الأوضة فجأة اتغير وحسيت ببرودة مرعبة كلت جسمي. بحملقت فيها وأنا مش مستوعب وبقيت بلقلق في الكلام: "أنتِ.. أنتِ قصدك إيه؟" قعدت كذا ثانية ساكتة تماماً ومبتنطقش. وبعدين مدت إيدها جوه جيب بالطو قديم كانت لابساه، وطلعت صورة قديمة وممسوحة وألوانها رايحة. وفي اللحظة اللي عيني جت فيها على الشخص اللي واقف في الصورة دي.. أدركت إن المكان ده مكنش بيت مهجور زي ما كنت فاكر خالص. ده كان مكان في حد بيتردد عليه بقاله عقود وسنين طويلة من غير ما حد يحس بيه. والحقيقة اللي ورا العرايس دي.. كانت أبشع وأكتر إزعاجاً من أي حاجة عقلي كان ممكن يتخيلها في أشد كوابيسه. ... #حكايات_شروق_خالد ...والشخص اللي كان واقف في الصورة دي، كان طفل صغير عنده حوالي 6 سنين، لابس مريلة مدرسة قديمة بيج، ومبتسم ابتسامة باهتة. المرعب مكنش شكل الطفل.. المرعب إن الطفل ده كان **أنا**. ## صدمة الهوية المفقودة الدم هرب من شفايفي، والنفس اتكتم في صدري. بصيت للصورة، وبصيت للست العجوزة اللي ملامحها بدأت تتغير في عيني من مجرد ست غريبة لكابوس حي. مسكت رقبتي وأنا حاسس إن الأوضة بتلف بيا: "دي.. دي صورتي أنا! إنتِ جبتي الصورة دي منين؟ ومين إنتِ أصلاً؟!" الست قربت مني بخطوات بطيئة ملهاش صوت، زي الخيال، ومدت إيدها المجعدة ولمست وشي. إيدها كانت ساقعة زي التلج. نزلت دموعة من عينيها الضيقة وقالت بصوت يقطع القلب: > "أخيراً رجعت يا سليم؟ بقالي 26 سنة مستنياك تدخل من الباب ده.. بقالي 26 سنة بجمع لهم عرايس عشان يناموا في حضنها." > ## سر الغرفة والدمى الملعونة عقلي مكنش قادر يستوعب. أنا عايش طول عمري فاكر إني طفل يتيم اتعلمت وكبرت في ملجأ في طنطا، ومكنش عندي أي ذكريات عن طفولتي قبل سن الست سنين، الدكاترة وقتها قالوا صدمة عصبية فقدتني الذاكرة. سألتها وأنا برتعش: "أنا مش فاهم حاجة.. مين دول اللي بيلموا العرايس؟ ومين الأطفال اللي ميرجعوش؟" العجوزة شاورت على كومة العرايس، وبدأت تتكلم بنبرة خلت شعر جسمي يقف: "البيت ده يا سليم مكنش بيت عيلة.. البيت ده كان ملجأ غير رسمي في التسعينات. أنا كنت المشرفة هنا. والراجل اللي كان بيدير المكان، كان بيبيع الأطفال.. وأي طفل كان بيقاوم أو بيمرض، كان بيدفنه هنا.. تحت أرضية الأوضة دي." وقفت مكانها وبدأت تشاور على نقط معينة في الخشب القديم بتاع الأرضية: > "هنا مدفون يوسف.. وهنا مريم.. وهنا بودي.. كل ما طفل كان بيموت أو بيتدفن صاحي، روحه مكنتش بتهدا. كنت بسمع عياطهم بالليل بيزلزل الحيطان. ولما لقيتهم بيعيطوا من البرد والوحدة، بدأت أصنع وأجمع العرايس دي.. كل ما بحط عروسة فوق مكان طفل، روحه بتهدا وتنام." > ## الناجي الوحيد سألتها وصوتي مخنوق بالدموع: "طب وأنا؟ أنا إيه علاقتي بالمجزرة دي؟" بصتلي بحزن شديد وقالت: "إنت كنت الطفل الوحيد اللي قدر يهرب الليلة اللي البوليس كبس فيها على المكان بعد ما الجيران اشتكوا من الريحة. الراجل ده حبسكم كلكم في السرداب وولع في المكان عشان يدير الجريمة.. إنت زقيت حديدة صغيرة وخرجت من شباك المطبخ، وجريت في الشوارع.. ومن كتر الرعب، عقلك مسح كل حاجة. الباقيين كلهم ماتوا خنقاً يا سليم.. كلهم تحت رجلك دلوقتي." في اللحظة دي، وكأن كلامها كان المفتاح اللي فتح الصندوق الأسود جوه دماغي. فجأة، شريط ذكريات مرعب اتعرض قدام عينيا.. افتكرت ريحة الدخان، افتكرت صراخ الأطفال صحابي وأنا بسيبهم وبجري، افتكرت الوشوش المرعوبة. الألفة اللي حسيت بيها وأنا داخل الشارع مكنتش ألفة مريحة.. دي كانت مغناطيس الذنب والماضي. ## النهاية المرعبة وفجأة.. المزيكا الهادية اللي في عقلي سكتت. سمعت صوت خربشة جاي من تحت كومة العرايس. الكومة بدأت تتحرك.. العرايس البورسلين بدأت عيونها المكسورة تتحرك وتبصلي. ومن تحت الأرضية الخشب، بدأ يطلع صوت همس وبكاء جماعي مكتوم لأطفال كتير.. صوت بيقرب ويدعي: **"سليم.. سليم رجع.. سليم سابنا ومشي."** رجعت لورا برعب وصدمة، وبصيت للست العجوزة عشان أستنجد بيها.. ملقتهاش! الأوضة كانت فاضية تماماً، والصورة القديمة اللي كانت في إيدها وقعت على الأرض. بصيت للصورة اللي على الأرض.. مكنتش صورتي وأنا لابس مريلة المدرسة. دي كانت صورة الست العجوزة نفسها وهي شابة، ومكتوب وراها بخط قديم: *"المشرفة نادية.. توفيت خنقاً مع الأطفال عام 2000."* أنا مكنتش بكلم بني آدم.. أنا كنت بكلم روح بتمرر لي الحقيقة. جريت برعب، نزلت السلم وأنا بصرخ، وخرجت للشارع والهوا الساقع بيخبط في وشي. من الليلة دي، أنا مبقتش أتمشى بالليل تاني.. بس كل ما بآجي أنام، بقيت بسمع صوت خربشة العرايس وصوت أصحاب زمان وهم بيقولوا لي في ودني: **"ليتك ما رجعت يا سليم.. عشان إحنا نازلين لك."** من الليلة دي، حياتي الهادية والمنعزلة انتهت تماماً.. وحل مكانها جحيم ملوش آخر. حاولت في الأول أقنع نفسي إن اللي حصل ده كان مجرد هلاوس، صدمة نفسية، أو كابوس من كوابيس النوم وأنا ماشي. بس الحقيقة كانت بتطاردني في كل تفصيلة في شقتي. ## الهدية الأولى بعد يومين من الليلة المشؤومة دي، رجعت من شغلي بالليل. فتحت باب الشقة، وأول ما نورت النور، جسمي كله تشنج من الرعب. على سريري، في نص المخَدة بالظبط.. كانت قاعدة **عروسة قماش قديمة**، معمولة بالإيد، خيوطها دايبة، وعينيا كانت عبارة عن زراير سودا غامقة. نفس العرايس اللي كانت متكومة في البيت المهجور. قربت منها وأنا ركبي بتخبط في بعضها، ومسكتها بإيد مرعشة. كان طالع منها ريحة تراب ورطوبة.. وريحة "حريقة" قديمة. ولما قلبت العروسة، لقيت مكتوب على ضهرها بخط يدوي صغير وباهت: **"يوسف"**. > في اللحظة دي عرفت إنهم مش سايبيني.. وإنهم لقوا طريقي. > ## النبش في الدفاتر القديمة مقدرتش أقعد في الشقة. نزلت وجريت على أرشيف الجرايد القديمة، وقضيت أيام ببحث عن أي حادثة حصلت في المنطقة دي في أواخر التسعينات أو سنة 2000. وبعد تدوير طويل، لقيت الجرنان.. مانشيت أصفر قديم بيقول: > **"مأساة في حي الخليفة: العثور على جثث 7 أطفال ومشرفتهم داخل سرداب سري لملجأ غير مرخص بعد نشوب حريق غامض.. والشرطة تبحث عن الطفل الثامن المفقود."** > الطفل الثامن كان أنا. أنا الهربت وسيبتهم يموتوا. الذنب كان بياكل في قلبي زي السرطان. أنا عشت حياتي، كبرت، واتعلمت، ودخلت الجامعة، وهم اِتدفنوا في الضلمة والنسيان تحت أرضية خشبية. ## الزيارة الأخيرة: دفع الثمن الهمس في ودني مبقاش يوقف، وكل ليلة كنت بلاقي عروسة جديدة بتظهر في مكان في الشقة.. على الكنبة، جوه الدولاب، حتى جوه التلاجة! لحد ما بقوا 7 عرايس.. بعدد الأطفال اللي ماتوا. في الليلة السابعة، الجو كان تِلج، والنور قطع فجأة في الشقة كلها. سمعت صوت خطوات صغيرة وكثيرة بتتحرك في الصالة. خطوات أقدام حافية بتجري وبتضحك ضحكات طفولية مرعبة. فتحت كشاف المليون، وبدأت أتحرك في الصالة وأنا بصرخ: "أنا أسف! واللّه العظيم ما كان قصدي أسيبكم! أنا كنت طفل وخفت.. سامحوني!" الضحكات سكتت فجأة. وبدأ يطلع من ورا الكنبة، ومن الأركان، خيالات لأطفال ملامحهم مش واضحة، بس عينيهم بتلمع في الضلمة زي الزراير السودا بتاعة العرايس. وفي وسطهم كانت واقفة الست العجوزة "نادية"، بتبصلي بنفس النظرة الهادية الباردة. قربوا مني، وأنا مش قادر أتحرك، مكاني زي الصنم. مدوا إيديهم الصغيرة الساقعة ولمسوا رجلي وركبي، وبدأوا يسحبوني لتحت.. كنت حاسس إن الأرض الإسمنت بتاعة شقتي بتتفتح، وبتتحول لتراب وسرداب ضيق ومكتوم. صوت طفل منهم همس في ودني وهو بيشدني من قميصي: **"إحنا مش زعلانين منك يا سليم.. إحنا بس كنا سقعانين ولوحدنا.. وتعال العب معانا."** ## النهاية تاني يوم الصبح.. جيراني في العمارة شموا ريحة شياط قوية جاية من شقتي. كسروا الباب ومعاهم المطافي، بس ملعقوش أي حريقة.. الشقة كانت سليمة تماماً. الحاجة الوحيدة اللي لقوها، كانت جثتي.. نايم على السرير، وشي أزرق ومتثبت على تعبير رعب رهيب، وإيديا الاتنين ضامّة 7 عرايس قماش قدام صدري بحضن قوي.. الطب الشرعي كتب في تقريره: **"الوفاة نتيجة إسفكسيا الخنق.. مع وجود آثار رماد ودخان داخل الرئتين"**.. رغم إن الشقة مكنش فيها نقطة دخان واحدة. أنا رجعت لهم في النهاية.. وبقيت العروسة الثامنة في الكومة. العروسة الثامنة حكايات شروق خالد