امر التمكين ج1 حكايات شروق خالد

حماتي سحبت كاس العصير الأحمر ودلقته فوق راس أختي في وسط عزومة العيد وقالتلها ببرود: “عشان تعرفي مقامك بعد كده وما تتعديهوش”.
كان فيه عشرين بني آدم من قرايبه قاعدين بيتفرجوا، وكمان كام واحد منهم ضحكوا! بس طارق جوزها ضحكته اختفت فجأة لما مريم همست في ودنه: “أنا خلاص كلمتهم”، وفي نفس اللحظة الباب بره قعد يتخبط عليه برزع وقوة.
أنا كنت واصلة متأخرة ثلث ساعة، وكنت بنهج من زحمة شوارع القاهرة وبحضر كلمتين اعتذار في سري وأنا داخلة الشقة. صالة الأكل كانت زحمة ومكتظة، بس الضحك اللي كان طالع منها كان يوجع ويفور الدم ومش ضحك لِمّة وفرحة خالص.
ساعتها شفت مريم…
كانت شايلا صواني الرقاق والبط وإيديها معلمة بقع حمراء ومحروقة من صهد الفرن. شعرها كان هربان من التوكة، ووشها شاير من التعب، وكل كراسي السفرة كانت مليانة ومفيش مكان ل رجل. كانت هي الوحيدة اللي واقفة على رجليها وسطهم.
وطارق، جوزها، كان قاعد في صدر الترابيزة وفي إيده كاسه، ومريم عمالة تلف وتخدم على عشرين فرد من أهله لوحدها. لا حد بيمد إيده ياخد طبق، ولا حد بيفكر يشيل كبابة. كانوا قاعدين يتفرجوا عليها وهي بتجري بين المطبخ والسفرة كأنها شغالّة بفلوسها في بيتها!
قربت منها وقلت: “مريم، هاتي عنك، خليني أساعدك”.
بصتلي يدوب نص ثانية ورسمت ابتسامة سريعة على وشها خضتني وقالت: “خلاص يا حبيبتي، أنا قربت أخلص أهو”.
وقبل ما أتحرك خطوة ناحية المطبخ، حماتها نادية رفعت كاسها وقالت بصوت عالي سِمّ: “جرى إيه يا مريم؟ العصير مش ساقع ليه؟ هو أنتِ مابتصميش تعملي حاجة واحدة عدلة في حياتك؟”
كام واحد من القرايب ابتسموا بخبث، وطارق فضل مبحلق في طبقه ولا حرك ساكن.
مريم جريت عليها وهي بتقول: “حاضر، هجيب لك غيره حالا”.
بس نادية وقفت بسرعة قبل ما مريم تمد إيدها تاخد الكاس. الصالة كلها هديت، مش عشان حد ناوي يحوشها، لأ، دول كانوا مستنيين يتفرجوا هتعمل إيه! بصت لأختي من فوق لتحت بقرف وقالت: “لا، كفاية عليكي كده قوي”.
وراحت دالقة الكاس كله فوق راس مريم!
العصير الأحمر بقى يسيل على شعرها ووشها، ونزل بهدل فستانها الفاتح اللي كانت شرياه مخصوص عشان العيد. النقط بقت تقع على مفرش السفرة الأبيض النضيف، جنب الأكل اللي وقفت تطبخه وتجهز فيه بقالها يومين.
لمدة ثانية، الشقة كلها اتخرست ومحدش نطق. وفجأة، ابن عم طارق هب بضحكة، واثنين تانيين كتموا ضحكتهم وضحكوا وراه.
أنا مشيت في الصالة بسرعة الصاروخ لدرجة إن شنطتي اترمت على الأرض وزعقت: “هو إيه القرف ده؟ أنتوا معندكوش دم؟!”
نادية حطت الكاس الفاضي على السفرة بروقان وقالت: “عشان تعرف مقامها وبس”.
لفيت لطارق وزعقت فيه: “أنت هتقعد تتفرج على أمك وهي بتهين مراتك بالمنظر ده؟”
بصلي وهو متغاظ ومستهتر وقال: “بس بقى وبلاش فضايح وتعمليلنا حوار”.
الكلمة دي خلت سنتين كاملين يلفوا شريط قدام عيني: مريم وهي بتطحن في المطبخ في كل مناسبة وأهله يستلموها تريقة، طارق وهو بيرد مكانها كأنها ملهاش صوت، نادية وهي بتقلب في شقتها وتفتش وراها كأنها صاحبة المكان، ومريم اللي كانت بتعتذر قبل ما تفتح بقها حتى!
واسترجعت المكالمة اللي كانت بيننا الأسبوع اللي فات، لما مريم سألتني براحة ومن غير ما حد يحس: “هو أنا لو عوزت أمشي فجأة في أي وقت.. ينفع أجيلك وأقعد عندك؟” أنا قلتلها طبعاً، وهي راحت مغيره السيرة في ثواني.
ودلوقتي واقفه قدامي والعصير بيشر من دقنها وأهل جوزها واخدين كرامتها وتعبها فرجة وتسلية.
مسكت إيدها وقمت: “يلا معايا، حالا ومن غير كلام”.
مريم قفشت في إيدي وجمدت عليها. إيديها كانت بترتعش، بس صوتها كان طالع ناشف ومفهوش هزة وقالت: “لأ”.
الكل سمعها. مريم رفعت راسها وبصت لنادية الأول، وبعدين لطارق. ملامح وشها كانت اتدورت تماماً. الخوف والتعب اللي كانوا هادين حيلها اختفوا، ومبقاش فيه غير هدوء بارد ويخوف، وهمست: “أنا خلاص كلمتهم”.
كرسي طارق اترزع وهو بيرجع لورا وقال ابن عمه: “كلمتي مين؟”
مريم فضلت عينيها في عين جوزها. طارق قالها بنبرة تهديد: “مريم، لمي الدور وهنتكلم في أوضتنا جوه”.
ضحكت ضحكة صغيرة تقطع القلب وقالت: “جوه ده المكان اللي دايماً بتعرف تدوس عليا فيه وتطلع أنت اللي كسبان”.
في اللحظة دي عيني جت على دوسيه كبير ومقفول بمشبك أسود كان محطوط على البوفيه. موبايل مريم كان جنبه والشاشة قادت بـ “مكالمة فائتة” من رقم متسجل باسم (الأستاذ المحامي).
نادية ربعت إيديها وقالت بنفخة كدابة: “الشو اللي بتعمليه ده مش هيقدم ولا يأخر. أنتِ عايشة في الخير ده وفي العيلة دي عشان إحنا سايبينك بمزاجنا”.
مريم مسحت العصير من حوالين عينيها وقالتلها: “بجد؟”
طارق جه يتحرك ناحية البوفيه، فمريم وقفت في السكة وقفلت عليه الطريق للدوسيه: “إياك تلمسه”.
وشه اتشنج وقالها: “الحاجة دي تخصني أنا!”
قالتله: “لأ.. هي دي بقى مشكلتك، مفيش أي حاجة هنا تخصك ولا بتاعتك أصلاً”.
الناس اللي كانت بتضحك من شوية اتكتموا خالص. خالتهم وطت عينيها في الأرض، والتانية مدت إيدها جابت عبايتها، وعم طارق طلع موبايله وبقى يبص فيه كأنه بيحاول يختفي جوه الشاشة.
طارق قرب من مريم وقال بسُهت: “فكري كويس في اللي بتعمليه ده يا مريم”.
متحركتش من مكانها وقالت: “أنا بقالي ست شهور بحسبها وبفكر فيها كويس قوي”.
في اللحظة دي، أول هبدة قوية ورزع خبط على باب الشقة. وش طارق خطفه الدم وبقى أصفر.
وراها خبطة ثانية أشد، وصوت راجل جِعِص بره ملى الممر: “الشرطة.. يا سادة، إحنا هنا مع المدام مريم عشان قرار التمكين والمرافقة الأمنية. يا فندم جهزي الدوسيه اللي فيه عقد الشقة، وأمر التمكين، والفيديوهات والتسجيلات اللي معاكي”.
كل العيون اللي كانت قاعدة على السفرة اتسمرت على مريم. راحت مادية إيدها ورافعة الدوسيه المتبهدل من على البوفيه، وطارق هجم عليها عشان يتخطفه منها في نفس اللحظة اللي الباب بره اتفتح فيها.
طارق نط، بس كان خلاص “المغزل غزل”. أنا رميت نفسي في السكة ووقفت بجسمي حِيطة قدامه، وعطلته الكام ثانية دول لحد ما دخل اثنين أمناء شرطة ومعاهم الظابط بالبدلة الميري صالة الأكل.
الظابط بص لمنظر العصير اللي بيشر من شعر مريم وفستانها اللي اتبهدل، وعينه ضيقت وبان عليه النرفزة وقال بحزم: “ارجع لورا يا أستاذ.. مدام مريم، أنتِ كويسة؟”
مريم ردت وصوتها زي الحديد: “أنا كويسة جداً دلوقتي”. ومدت إيدها سلمته الدوسيه المبلول.
نادية وقفت ووشها جايب ألوان من الغيظ وزعقت: “يا حضرة الباشا، دي عزومة عائلية وخاصة جداً! وابني صاحب الشقة دي، والست دي بتتبلى علينا وعاملة لنا ليلة!”
الظابط قاطعها وهو بيفتح الدوسيه وبيطلع ورق رسمي ومختوم: “في الواقع يا فندم، العقد المسجل اللي في الملف ده بيقول إن الشقة دي ممسوحة ومشتراة بالكامل من ورث جدة المدام مريم. الشقة ملكها هي ومكتوبة باسمها لوحدها، والأستاذ طارق ملوش فيها أي حق قانوني ولا شبر واحد”.
الناس كلها شهقت فرد شهقة حوالين الترابيزة، وطارق جاله ذهول وكأن حد ضربه على دماغه.
الظابط كمل كلامه وهو عينه في عين طارق: “ومعانا كمان قرار تمكين مطلق للزوجة من النيابة ومعانا أمر طرد ليك. يا أستاذ طارق، قدامك بالضبط ثلث ساعة تلم فيها هدومك وحاجتك الشخصية الضرورية وتفارق الشقة. وباقي الناس اللي قاعدة دي.. تتفضل بره فورا”.
طارق اتهز وبقى يترجاها: “مريم، مش كده! إحنا متجوزين وبلاش خراب بيوت، نقعد ونتفاهم!”
مريم بصتله في عينه لآخر مرة وقالت: “مبقاش فيه تفاهم يا طارق. أنا بقالي ست شهور بسجل وبشيل كل إهانة، وكل تهديد، وكل مليم كنت بتاخده مني أنت وأمك عافية وتحت الابتزاز. كل ده متوثق في الدوسيه.. مع قسيمة دعوى الخلع اللي رفعتها عليك”.
وبعدين لفت وشها لنادية اللي كانت واقفة مصدومة ومش ناطقة، ومريم ابتسمت ابتسامة تقهر وقالت لها: “وأنتِ يا طنط نادية؟ مش كنتِ عايزاني أعرف مقامي؟ أهو مقامي ومكاني هنا، في شقتي وفي بيتي أنا. يلا كتر خيركم.. اتفضلوا بره كلكم قبل ما أخلي الباشا يعملك محضر تعدي بالمرة”.
السكوت بقى يِقْرص في الشقة، والضحك والمنظرة طاروا في الهوا. عمام طارق وعماته وأولاد عمه بقوا يتكعبلوا في بعض وهم بيجروا على باب الشقة، وسابوا عباياتهم وهدومهم وأطباق الأكل اللي مالحقوش يمدوا إيدهم فيها.
في ظرف نص ساعة، الشقة بقت هس.. ومبقاش فيها مخلوق غيري أنا ومريم.
مريم هِبطت وأخيراً قعدت على الكرسي بعد ما كل الأعصاب المشدودة دي سابت، وبصت لمفرش السفرة المبهدل. أنا جريت جبت فوطة دافية وبقيت أمسح العصير من على وشها وبشعرها براحة، وهي بصتلي والدموع نزلت من عينيها كأرّ.. بس مكنتش دموع زعل وقهر، دي كانت دموع فرج وراحة بال وكسرة عين للي ظلموها.
همست وهي بتترعش: “كل سنة وأنتِ طيبة”.
أخدتها في حضني وقفلت عليها وقُلت: “وأنتِ طيبة وبألف خير يا مريم.. وحمداً لله على سلامتك يا حبيبتي”.
حكايات شروق خالد

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *