وصية من خلف الباب المغلق ج1 حكايات شروق خالد

على الجدران عشرات الصور.
توقفت سارة فجأة.
كل الصور كانت لها.
صور وهي تخرج كل صباح إلى عملها.
صور وهي تحمل أكياس البقالة.
صور وهي تساعد أحد الأطفال لعبور الشارع.
صورة لها وهي تعطي رجلًا مسنًا زجاجة ماء في الحر.
وصورة التقطتها الحاجة أمينة من نافذتها وهي تقف معها بالأمس وتجز الحديقة.
قالت سارة بذهول:
“إيه ده؟”
ابتسم المحامي بحزن وقال:
“الحاجة أمينة كانت بتعتبرك بنتها من غير ما تعرفي.”
ثم أشار إلى دفتر كبير فوق المكتب.
فتحته سارة.
كان عبارة عن يوميات.
كتبت الحاجة أمينة في أول صفحة:
“من يوم ما مات ابني في حادث، وأنا فقدت الرغبة في الحياة. لكن كل يوم كنت أشوف البنت اللي قدامي تساعد الناس من غير مقابل، كنت بحس إن الدنيا لسه فيها خير.”
كانت هناك عشرات الصفحات.
كل صفحة تحكي موقفًا رأته من شرفة منزلها.
مرة رأت سارة تعطي آخر ما معها لسيدة فقيرة.
ومرة أخرى رأتها تحمل أكياس جارتها المريضة إلى شقتها.
وفي آخر صفحة كتبت:
“كل أقاربي كانوا يزوروني لما يحتاجوا فلوس. أما سارة، فدخلت بيتي لأول مرة أمس… ولم تطلب مني شيئًا.”
انفجرت سارة في البكاء.
وفجأة قطع المحامي الصمت وقال:
“الحقيقة… الحاجة أمينة كانت تملك أكثر مما تتخيلوا.”
نظر الجميع إليه في دهشة.
أكمل:
“البيت ده مش بس بيت. ورا البيت قطعة أرض كبيرة مسجلة باسمها، وعندها شهادات استثمار قديمة، وكلها أصبحت ملكًا لسارة حسب الوصية.”
ارتفعت همهمات الحاضرين من جديد.
لكن هذه المرة لم يكن الغضب هو المسيطر…
بل الصدمة.
وفي تلك اللحظة، شعرت سارة بحركة قوية من طفلها في بطنها.
وضعت يدها على بطنها وابتسمت لأول مرة منذ شهور.
همست وهي تنظر إلى صورة الحاجة أمينة المعلقة على الحائط:
“أوعدك… الخير اللي عملتيه معايا هيوصل لناس كتير بعدي.”
وفي الخارج، كانت شمس الغروب تملأ الحديقة التي جزتها بيديها قبل يوم واحد فقط… وكأنها تودع صاحبة البيت التي رحلت، لكنها تركت وراءها أثرًا لن يُنسى.
حكايات شروق خالد



