وصية من خلف الباب المغلق ج1 حكايات شروق خالد

كانت في الأسبوع الرابع والثلاثين من الحمل، ووحيدة تمامًا.
بعد أن أخبرت خطيبها بأنها حامل، اختفى من حياتها وكأنه لم يعرفها يومًا، تاركًا لها بيتًا بقسط شهري لا تستطيع سداده، وفواتير تتراكم فوق بعضها حتى صارت تخشى فتح هاتفها كلما رن.
منذ شهور وهي تحاول الصمود، لكن صباح الثلاثاء كان القشة التي قصمت ظهرها.
وصلها اتصال من البنك يؤكد بدء إجراءات الحجز على المنزل.
شعرت أن الدنيا أغلقت أبوابها في وجهها.
خرجت إلى الشارع فقط لتلتقط أنفاسها، وهي تحاول منع دموعها من السقوط.
في ذلك الوقت، لمحت جارتها الحاجة أمينة.
كانت أرملة تجاوزت الثانية والثمانين من عمرها، تعيش وحدها منذ وفاة زوجها قبل أشهر، وتحاول دفع ماكينة جز عشب قديمة في حديقة منزلها الصغيرة.
كانت خطواتها بطيئة، ويداها ترتجفان، وكل مرة تدفع فيها الماكينة تتوقف لتلتقط أنفاسها.
وقفت الفتاة تنظر إليها للحظات.
قالت لنفسها إنها ليست قادرة حتى على الوقوف، وإن ظهرها يكاد ينكسر من الحمل.
لكن شيئًا داخلها منعها من الدخول إلى البيت.
اقتربت منها بابتسامة هادئة.
“سيبيني أنا أعملها يا حاجة.”
اعترضت السيدة العجوز في البداية، لكنها لم تستطع مقاومة إصرارها.
جلست على كرسي بلاستيكي قديم تحت ظل شجرة جوافة، بينما بدأت الفتاة في العمل.
استغرقت أكثر من ثلاث ساعات.
كانت تتوقف كل عدة دقائق لتستريح، وتمسح العرق عن وجهها، ثم تعود من جديد.
تورمت قدماها أكثر، وشعرت بآلام حادة في أسفل ظهرها، لكنها أصرت أن تنتهي حتى آخر جزء من الحديقة.
عندما انتهت، نظرت إليها الحاجة أمينة بعينين امتلأتا بالدموع.
أمسكت يدها وقالت:
“ربنا هيجازيك يا بنتي… الخير عمره ما بيضيع.”
ابتسمت لها، ثم عادت إلى منزلها وهي بالكاد تستطيع المشي.
في تلك الليلة لم يغمض لها جفن.
كانت تفكر في الطفل الذي سيأتي بعد أسابيع، وفي البيت الذي قد تخسره، وفي المستقبل الذي أصبح غامضًا.
مع أول ضوء للصباح، دوى صوت سيارات الشرطة في الشارع.
قفز قلبها من مكانه.
نظرت من النافذة.
وجدت سيارتي شرطة تقفان أمام منزلها مباشرة.
بعد ثوانٍ، سُمع طرق قوي على الباب.
ارتجفت وهي تفتحه.
#حكايات_شروق_خالد
وقف أمامها ضابط شرطة وخلفه اثنان من الأمناء.
قال بهدوء:
“حضرتك اسمك سارة؟”
أومأت برأسها.
قال:
“محتاجين نسألك كام سؤال بخصوص الحاجة أمينة.”



