وصية من خلف الباب المغلق ج2 حكايات شروق خالد

مرت ثلاثة أسابيع على وفاة الحاجة أمينة.

لم يكن ما حدث مجرد خبر تناقله أهل المنطقة، بل أصبح حديث الجميع.

لكن سارة لم تنتقل إلى المنزل، ولم تلمس جنيهًا واحدًا من الأموال التي آلت إليها.

كانت أولويتها أن تضع طفلها بسلام.

وفي إحدى الليالي، شعرت بآلام الولادة.

نقلتها سيارة الإسعاف إلى المستشفى، وبعد ساعات طويلة أنجبت طفلًا جميلًا.

احتضنته وهي تبكي.

همست له:

“أنت جيت في الوقت اللي ربنا عوضني فيه عن كل حاجة.”

وبعد يومين فقط من عودتها إلى المنزل، فوجئت بزيارة غير متوقعة.

كان المحامي يقف أمام الباب.

وبصحبته رجل في أواخر الستينيات، يرتدي بدلة أنيقة، وعلى وجهه ملامح الوقار.

قال المحامي:

“ده الأستاذ فؤاد… كان أقرب صديق لزوج الحاجة أمينة.”

رحبت به سارة وأدخلته.

جلس الرجل ينظر إلى الطفل بابتسامة، ثم قال:

“أنا كنت مسافر بره مصر، ورجعت بعد الجنازة بيومين. ولما عرفت اللي حصل، كان لازم أقابلك.”

ثم أخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا من حقيبته.

وضعه أمامها.

“الحاجة أمينة سابت ده عندي من سنتين، وقالت: لو لقيت البنت اللي تستحق، سلمها الصندوق.”

فتحت سارة الصندوق.

كان بداخله مفتاح آخر، وصورة قديمة للحاجة أمينة مع زوجها، وعقد ملكية لمبنى قديم مكوَّن من أربعة طوابق.

نظرت إلى المحامي في ذهول.

ابتسم وقال:

“المبنى ده كان مؤجر من سنين، وإيراده الشهري بيتحول لحساب خاص. الحاجة أمينة كانت مخبية الموضوع عن الكل.”

شهقت سارة.

“يعني… ده كمان ليا؟”

هز المحامي رأسه.

“أيوه… حسب الوصية.”

لم تستطع الكلام.

كانت تشعر أن كل ما يحدث أكبر من قدرتها على الاستيعاب.

لكنها اتخذت قرارًا في تلك الليلة.

قرارًا لم يتوقعه أحد.

بعد شهر، علّقت لافتة بسيطة على المبنى.

كُتب عليها:

“دار أمينة لرعاية الأرامل والأمهات اللاتي لا يجدن مأوى.”

حولت الدور الأرضي إلى مكان تستقبل فيه السيدات اللاتي تعرضن للظروف نفسها التي مرت بها.

كانت تقدم لهن وجبات مجانية، ومساعدة قانونية، وملابس للأطفال، وحتى دورات تساعدهن على بدء عمل صغير.

وفي أول يوم للافتتاح، وقفت أمام صورة الحاجة أمينة المعلقة عند المدخل.

وضعت وردة بيضاء أسفلها وقالت:

“لولاك… كنت أنا وابني في الشارع.”

في تلك اللحظة، دخلت سيدة مسنة تستند إلى عصا.

ابتسمت لسارة وقالت:

“أنا كنت جارتكم من زمان… والحاجة أمينة كانت دايمًا تقول: الخير الحقيقي هو اللي يفضل بعد صاحبه.”

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *