حكايات شروق خالد ج3
“دور على أمها.”
ثم انقطع التسجيل.
ياسين بص لمروان.
“أبويا مات من سبع سنين.”
مروان أغمض عينيه.
“عارف.”
“يبقى مين اللي سجل ده؟”
مروان رفع عينه ببطء.
“مش تسجيل.”
“أمال إيه؟”
“دي مكالمة.”
وفجأة…
جاءت رسالة على موبايل ياسين.
صورة حديثة.
ليان كانت قاعدة في مكان مظلم.
جنبها امرأة.
وجهها مش واضح.
وتحت الصورة جملة واحدة:
“أمها لسه عايشة.”
ياسين قرب الصورة من عينه.
ثم شاف تفصيلة صغيرة.
المرأة كانت لابسة سلسلة فضية على رقبتها.
نفس السلسلة اللي شافها في صورة قديمة لوالده…
قبل مقتله بساعات.
ياسين همس:
“سارة عايشة.”
ومن خلفه، سمع صوت مروان:
“لأ يا ياسين…”
ياسين لف له.
مروان قال:
“دي مش سارة.”
“أمال مين؟”
مروان بص للصورة، وعينيه امتلأت خوف.
“دي الست اللي أبوك مات عشان يحميها.”
وفي اللحظة دي…
اتسمع صوت طلقة من الدور الأرضي.
ثم صرخة سلمى.
ياسين اندفع ناحية السلم.
لكن مروان مسكه.
“استنى!”
ياسين زقه بعنف.
“ابعد عني!”
مروان صرخ:
“لو نزلت دلوقتي، هتدخل في الفخ!”
لكن ياسين كان نازل بالفعل.
ولما وصل آخر السلم…
شاف سلمى واقعة على الأرض.
والباب الخارجي مفتوح.
وفي إيدها…
كانت ماسكة نفس المفتاح الصغير اللي كان جوه دبدوب ليان.
وعلى الحيطة قدامها، مكتوب بالدم:
“واحد منكم هو أبو ليان الحقيقي.”
(حكايات شروق خالد)
ياسين وقف في آخر السلم، وعينه ثابتة على الجملة المكتوبة على الحيطة.
«واحد منكم هو أبو ليان الحقيقي.»
حس إن كل حاجة حواليه بتنهار.
بص لمروان.
وبص لنادين.
وبعدين لسلمى اللي كانت على الأرض، ولسه ماسكة المفتاح.
“مين؟”
محدش رد.
ياسين نزل على ركبته جنب سلمى.
“إنتِ عارفة.”
سلمى كانت بتتنفس بصعوبة.
“المفتاح ده… مش بتاع باب.”
ياسين أخده منها.
“أمال بتاع إيه؟”
“بتاع خزنة أبوك.”
مروان اتجمد.
“الخزنة لسه موجودة؟”
ياسين بص له.
“إنت عارف مكانها؟”
مروان غمض عينيه.
“أيوه.”
بعد ساعة كانوا واقفين قدام خزنة قديمة مخفية خلف مكتبة والد ياسين.
المفتاح دخل.
الباب اتفتح.
جواها كان فيه ملف واحد.
وصورة.
ياسين مسك الصورة.
كانت لسارة.
وبجانبها طفل رضيع.
وتحت الصورة شهادة ميلاد.
قرأ الاسم.
اتجمد.
“ليان…”
لكن اسم الأب كان مكتوبًا:
ياسين المنشاوي.
رفع عينه لمروان.
“يعني أنا أبوها.”
مروان هز راسه.
“أيوه.”
نادين بدأت تبكي.
“أبوك كان عايز يحميك. سارة كانت حامل منك، لكن قبل ما تعرف، عيلة السيوفي عرفت.”
ياسين بص للصورة.
“طب سارة فين؟”
مروان قال:
“ماتت.”
“فؤاد قال إنها عايشة.”
“فؤاد كان بيحاول يخليك تتحرك.”
فجأة ياسين فهم.
كل الأكاذيب.
كل الخيانات.
كل الرسائل.
كل الخوف.
كان هدفها واحد.
الوصول للخزنة.
رفع الملف.
“مين خطف ليان؟”
صوت من خلفه رد:
“أنا.”
ياسين لف بسرعة.
فؤاد كان واقف عند باب الغرفة.
وسلاحه موجه ناحية مروان.
“نزّل السلاح.”
فؤاد ابتسم.
“أنا ما خطفتهاش عشان أأذيها.”
“أمال؟”
“عشان أحميها.”
وفجأة ظهرت ليان خلفه.
كانت سليمة.
جريت ناحية ياسين.
ياسين حضنها بقوة، وضمها لصدره.
“أنا آسف يا بنتي.”
ليان رفعت وشها.
“إنت بابا؟”
ياسين ابتسم ودموعه نزلت.
“أيوه.”
“كنت عارفة.”
“عرفتي منين؟”
أشارت للدبدوب.
“الراجل اللي خدني قال لي إن الدبدوب عارف الحقيقة.”
ياسين ضحك وسط دموعه.
ثم بص لفؤاد.
“إنت ليه عملت كل ده؟”
فؤاد نزل سلاحه.
“أبوك أنقذ حياتي زمان. ولما مات، وعدته إني أحمي بنته.”
ياسين عقد حاجبيه.
“بنته؟”
فؤاد بص لليان.
“سارة كانت بنت أخويا.”
ياسين اتصدم.
“يعني إنت خالها؟”
“أيوه.”
مروان تنفس براحة.
لكن ياسين لسه كان عنده سؤال.
“ومروان؟”
فؤاد ابتسم.
“مروان خان أبوك فعلًا.”
المكان سكت.
مروان أغمض عينيه.
ياسين بص له.
“ليه؟”
مروان قال بصوت مكسور:
“عشان أنقذك.”
“خنت أبويا عشان تنقذني؟”
“أبوك كان عايز يقتلني بعد ما عرف إني وقعت في إيد الناس الغلط. عملت نفسي خنته… وخليته يبعدني عنك.”
ياسين سكت.
وبعدين قال:
“مين قتل أبويا؟”
فؤاد رد:
“أخوه.”
ياسين اتجمد.
“عمي؟”
“أبوك اكتشف إنه كان بيسرق إمبراطوريته، ولما واجهه… قتله.”
الحقيقة كانت أقسى من أي شيء تخيله.
سنين كاملة قضاها ياسين وهو بيطارد أعداء والده، بينما القاتل الحقيقي كان من دمه.
بعد أيام، سقطت شبكة عمه بالكامل، واتكشف كل شيء أمام الشرطة.
أما نادين، فاعترفت بكل اللي عملته تحت تهديد عائلة السيوفي.
وسلمى…
فضلت في بيت ياسين.
لكن مش كخادمة.
ياسين أعطاها إدارة البيت، وخصص لها شقة قريبة، وتكفل بعلاجها بعد إصابتها.
أما مروان، فاختفى لأسابيع.
ولما رجع، وقف قدام ياسين وقال:
“لو عايزني أمشي، همشي.”
ياسين بص له طويلًا.
ثم مد إيده.
“أنا فقدت أبويا.”
سكت لحظة.
“مش هفقد أخويا كمان.”
مروان حضنه.
وفي أول مرة من سنين…
ياسين حس إن البيت بقى بيت فعلًا.
بعد ستة أشهر، كان واقف في حديقة البيت.
ليان بتجري حواليه وهي بتضحك.
قربت منه وسلمته الدبدوب الأحمر.
“بابا، خليه عندك.”
“ليه؟”
ضحكت.
“عشان لو الحقيقة ضاعت تاني.”
ياسين ضحك.
وبص للسماء.
كان لسه عنده جروح كتير.
ولسه الماضي مش هيموت بسهولة.
لكن المرة دي…
ما بقاش لوحده.
حط إيده على كتف بنته وقال:
“طول ما أنا عايش، محدش هيخوفك.”
ليان حضنته.
وياسين أخيرًا فهم إن أكبر انتصار في حياته…
ما كانش إنه كسب الحرب.
كان إنه قدر ينقذ العيلة اللي الحرب حاولت تاخدها منه.
والسر اللي بدأ بدم على الرخام الأبيض…
انتهى بحضن طفلة صغيرة لأبوها.
أما الدبدوب الأحمر…
ففضل فوق مكتبه.
مش كذكرى للخيانة.
لكن كتذكار للحقيقة التي أنقذت عائلة كاملة.




