حكايات شروق خالد ج3
وصل ياسين للعنوان اللي اتبعتله الرسالة، وكان عبارة عن مخزن قديم في أطراف القاهرة، مهجور من سنين، وبابه الحديد مصدي كأنه ما اتفتحش من عمر. وقف العربية على بُعد كام متر، وما نزلش على طول. بص في المراية. مفيش عربية وراه. مفيش حد ظاهر. لكن إحساسه كان بيقوله إن المكان مش فاضي. نزل ببطء، وحط إيده جوه الجاكيت.
دخل المخزن.
صوت خطواته اتردد وسط الحديد والصناديق القديمة.
“فؤاد؟”
صوت جه من الضلمة.
“كنت عارف إنك هتيجي.”
ظهر فؤاد السيوفي من بين الأعمدة.
ياسين وقف مكانه.
“إنت عايز إيه؟”
فؤاد ابتسم ابتسامة باهتة.
“عايزك تسمع الحقيقة قبل ما الناس اللي حواليك يدفنوك.”
“إنت اللي قتلت أبويا؟”
ابتسامة فؤاد اختفت.
“لأ.”
ياسين قرب خطوة.
“يبقى مين؟”
فؤاد بص له فترة، وبعدها قال:
“مروان.”
صمت ثقيل وقع بينهم.
ياسين قبض إيده.
“إنت بتكدب.”
“كنت مستني تقول كده.”
فؤاد طلع صورة قديمة من جيبه ومدها له.
ياسين أخذها.
كانت صورة لوالده قبل مقتله بساعات.
واقف قدام مكتبه.
وبجانبه شاب صغير.
ياسين قرب الصورة من عينه.
اتجمد.
“ده…”
“أيوه.”
فؤاد قالها بهدوء.
“مروان.”
لكن الصورة كان فيها حاجة أغرب.
على المكتب وراهم كان موجود ظرف أسود.
ياسين قلب الصورة.
ولقى على ظهرها تاريخ قديم.
نفس يوم وفاة والده.
“إنت كنت هناك؟”
“كنت.”
“وشوفت مين قتله؟”
فؤاد تنهد.
“شوفت اللي حصل… بس ما شوفتش القاتل.”
ياسين بص له بغضب.
“يعني إنت عايز تقنعني إن مروان كان موجود، بس مش هو القاتل؟”
“أنا عايزك تفهم إن مروان مش رأس الخيانة.”
ياسين سكت.
فؤاد قرب منه وقال:
“مروان كان مجرد واحد بيتنفذ عليه الأوامر.”
“أوامر مين؟”
قبل ما فؤاد يرد، صوت طلقة ضرب في الحديد فوق راسهم.
اتنين رجال خرجوا من الضلمة.
ياسين انحنى بسرعة، والرصاص بدأ يضرب الصناديق حواليه.
فؤاد صرخ:
“اهرب!”
لكن ياسين ما اتحركش.
استغل لحظة انشغال الرجال، واندفع ناحية أحدهم، أسقطه، وانتزع سلاحه.
الرجل التاني هرب ناحية الباب.
ياسين كان هيجري وراه، لكن فؤاد مسكه من ذراعه.
“سيبه!”
“ليه؟”
“لأنك لو لحقت بيه، هتموت قبل ما تعرف الحقيقة.”
ياسين بص له.
وفجأة موبايله رن.
كانت سلمى.
رد فورًا.
“سلمى؟”
صوتها كان بيرتعش.
“يا أستاذ ياسين… ارجع البيت حالًا.”
“ليه؟ ليان فين؟”
سكتت ثانيتين.
وبعدين قالت:
“ليان اختفت.”
قلب ياسين وقع.
“إيه؟!”
“كانت معايا فوق… لحظة واحدة بس بصيت فيها بعيد… ولما رجعت ملقتهاش.”
ياسين حس الدنيا بتلف حواليه.
“اقفلي كل أبواب البيت. محدش يخرج. وأنا راجع.”
قفل المكالمة وبص لفؤاد.
“إنت كنت عارف إنهم هياخدوها.”
فؤاد هز راسه.
“أنا كنت عارف إنهم هيحاولوا.”
“مين؟!”
فؤاد بص ناحية الباب.
“اللي قتل أبوك.”
“اسمه إيه؟”
فؤاد قال كلمة واحدة:
“المنشاوي.”
ياسين اتجمد.
“إيه؟”
فؤاد كمل:
“مش أبوك هو المنشاوي الوحيد.”
ثم مشي ناحية الضلمة.
ياسين صرخ:
“استنى!”
لكن فؤاد اختفى.
رجع ياسين العربية بأقصى سرعة.
طول الطريق كان بيحاول يتصل بسلمى.
مفيش رد.
اتصل بمروان.
رد من أول رنة.
“أيوه يا ياسين.”
“إنت فين؟”
سكت مروان.
“في البيت.”
ياسين شد على الدريكسيون.
“خليك مكانك.”
“ليه؟ حصل إيه؟”
“ليان اختفت.”
الصمت اللي جه بعد الجملة كان أطول من اللازم.
ياسين لاحظ.
“مروان؟”
“أنا جاي لك.”
“قلت خليك مكانك!”
قفل الخط.
ولأول مرة، ياسين حس إن صوته نفسه مش ثابت.
بعد حوالي عشرين دقيقة وصل البيت.
الباب الخارجي كان مفتوح.
الحراس كلهم واقعين على الأرض.
مش مقتولين.
لكن فاقدين الوعي.
دخل ياسين وهو بيصرخ:
“سلمى!”
جريت عليه من فوق.
وشها كان مليان دموع.
“أنا آسفة…”
“ليان فين؟”
“مش عارفة.”
“احكيلي!”
“كنت بقرأ لها قصة… وفجأة سمعت صوت تحت. نزلت أشوف، ولما رجعت… كانت اختفت.”
ياسين بص ناحية أوضة ليان.
دخل بسرعة.
السرير فاضي.
الدبدوب الأحمر بتاعها كان واقع على الأرض.
شاله.
حس بحاجة جوه.
فتحه.
ولقى مفتاح صغير.
وتحته ورقة.
فتحها بإيد مرتعشة.
كان مكتوب:
“لو عايز بنتك ترجع…
متثقش في مروان.
ومتثقش في نادين.
والأهم…
متثقش في دمك.”
ياسين قرأ آخر جملة أكتر من مرة.
“متثقش في دمك.”
دخل مروان فجأة.
“ياسين!”
ياسين رفع عينه له.
ولأول مرة…



