بذرة الانتقام#حكايات_شروق_خالد

سحبت جسمي سنتمتر بسنتمتر، والمية المالح بياكل في الجروح اللي في وشي ورجلي. كل نفس كان بيخرج مني بطلوع الروح، بس عقلي كان شغّال زي الساعة.
وصلت لراكية النار المطفية. عينيا وقعت على اللي بفتش عليه وسط الطين والحطب المحروق: بواقي فحم نباتي.
الطب الشرعي وعلم السموم معلموناش رفاهية الانهيار. الفحم النشط هو خط الدفاع الأول؛ هيمتص جزء من سم “البيش” اللي في معدتي ويديني وقت قبل ما قلبي يقف تماماً. مسكت حتت الفحم بإيديا المليانة طين، وبدأت أطحنها بأسناين وأبلعها بالعافية مع شوية مية مطر مجمعة في صخرة جنبي. الطعم كان يفرز العيشة، بس كان هو شريان الحياة.
بعد عشر دقايق، تقل الموت اللي في صدري بدأ يهدى سنة. خففت حدة السم، بس اللعبة مخلصتش.
قمت أزحف وأنا سانده على حطب البوص لحد ما وصلت لشارع الأسفلت المظلم. حظ سيد الأسود إنه سابني قريب من طريق “المطرية – بورسعيد” القديم. وقفت بالعافية، ودمي مغرق هدومي، ولمحت أضواء نقل ثقيل جاية من بعيد. وقفت في نص الطريق، السواق ضرب فرامل بكل قوته وهو بيلعن، بس أول ما شاف منظري والدم اللي على وشي، نزل مرعوب:
“يا ساتر يا رب! فيه إيه يا أبلة؟ مين عمل فيكي كده؟”
بصيت له بصوت جاف وراسي زي الحديد:
“وديني أقرب نقطة شرطة… مستشفى المطرية الأول، وبعدها النيابة.”
في المستشفى، استغليت كل دقيقة. طلبت يعملوا لي غسيل معدة فوري وسحب عينات دم وتحليل سموم مسجل برقم محضر رسمي. دكتور الطوارئ كان مبهول وأنا بمليه اسم المادة الكيميائية بالتفصيل عشان يكتبها في التقرير الطبي. التقرير ده كان هو حبل المشنقة اللي بفتله لإيد سيد وسعدية.

#حكايات_شروق_خالد

الساعة أربعة الفجر، خرجت من المستشفى وركبت عربية تاكسي وطلعت على شقتنا في التجمع.
فتحت الباب بالراحة بالنسخة الاحتياطية. الشقة كانت هادية، والأنوار خافتة. سيد كان قاعد في الصالة، ماسك كاس في إيده، وسعدية زغبيته قاعدة جنبه على الكنبة بيضحكوا بصوت واطي وبيخططوا هيبعثوا بوليصة التأمين فين ويقضوا شهر العسل فين بعد ما يدفنوني.
مشيت بالراحة لحد ما وقفت في نص الصالة، وضلي نازل عليهم.
سيد رفع عينيه، والكاس وقع من إيده اتدشمل على الأرض. وشه اتخطف، ألوانه اتغيرت، وشفايفه بدأت تترعش كأنه شاف عفريت طلع له من الترب:
“أ… إنتِ؟! إزاي… إنتِ متّي!”
سعدية صرخت واستخبّت وراه وهي مرعوبة.
قربت منهم خطوات هادية، ابتسمت ابتسامة سودا، وطلعت موبايلي اللي كان في جيب البالطو ورنيت على الرقم اللي مجهزاه:
“أيوة يا حضرة الضابط… التقرير الطبي لسم البيش معايا، والمجرمين موجودين في العنوان اللي أديتهولك. البوكس يقدر يدخل دلوقتي.”
بصيت لسيد في عينيه وقولت له بصوت واطي زي الهمس:
“سيد… أنا مكنتش الكابوس بتاعك. أنا كنت الامتحان اللي إنت سقطت فيه… والنهارده حياتك إنت اللي بتخلص.”
سرين النجدة ضرب في الحارة وتحت العمارة، وأصوات الجزم الميري وهي طالعة على السلم كانت بتدوي زي الرعد.
سيد وقف مدهوش، جسمه بيتكتك من الخوف ورجليه مش شايلاه. حاول يتحرك أو يهرب ناحية البلكونة، بس أنا كنت واقفة سادّة السكة بطول الصالة، ووشي مليان طين ودم جاف، وبصالي عيون واحدة راجعة من الموت مخصوص عشان بتاخد حقها.
“يا معلمة… أنتِ عفريتة ولا إيه؟! أنتِ شربتي السم بجد!” سعدية كانت بتصرخ وهي بتستخبى ورا ضهر سيد ودموع الرعب نازلة تغرق مكياجها الفج.
في لحظة، الباب اتكسر ودخل الضابط ورجالته:
” محدش يتحرك! ثبّت مكانك يا سيد أنت وهي!”
سيد اترمى على ركبه، وشهم أصفر زي الليمونة، وبدأ يهذي:
“يا باشا والله هي اللي مجنونة! هي اللي أكلت حاجة بايظة وجالها تهيؤات! أنا بحب مراتي ومجلتهاش جنب!”
قربت من الضابط، واديتوا كيس بلاستيك شفاف فيه باقي الفحم اللي طحنته بريقي، ومعاه التقرير الطبي المختوم من مستشفى المطرية:
“يا فندم، التقرير ده فيه نسبة مستخلص ‘سم البيش’ في دمي. والملاحة اللي رماني فيها فيها آثار كوتش عربيتو وبصمات رجله على الطين وهو بيسحلني. وسلطانية الشوربة اللي في المطبخ لسه فيها باقي السم.. غير بوليصة التأمين اللي عاملها على حياتي من ورايا بالأوتوجراف بتاعه.”
الضابط بص للتقرير، وبعدها بص لسيد وقرف منه:
“كلبش يا عسكري! أنت وهي على البوكس.. مع إحالة فورية للنيابة بتهمة الشروع في القتل مع سبق الإصرار والترصد.”
سيد وهو بيتسحل من قفاه، بصلي بعيون مليانة حسرة وندم، وكان بيصرخ:
#حكايات_شروق_خالد

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *